الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأسعار واستعدادات المجتمع العراقي لسيناريو الحصار
جعفر حيدر
2026 / 4 / 15مواضيع وابحاث سياسية
تبدو الأزمة في العراق اليوم وكأنها لا تُختزل في نقص مورد أو اضطراب سوق، بل تمتد لتصبح حالة نفسية عامة تُدار فيها الوقائع جنباً إلى جنب مع السرديات الإعلامية، إذ إن أزمة الغاز على سبيل المثال لم تعد مجرد خلل تقني أو إداري في الإمدادات، بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق التداخل بين الاقتصاد والسياسة والإعلام، فالعراق الذي يمتلك ثروات هائلة من الغاز ما يزال يعاني من فجوات في الإنتاج والتجهيز، الأمر الذي جعله يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وهنا تبدأ الروايات المختلفة بالظهور، حيث يذهب بعض الإعلام القريب من الخطاب الولائي لإيران إلى تصوير الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لضغوط خارجية أو لعوامل سياسية دولية، متجاهلاً في كثير من الأحيان الإخفاقات الداخلية وسوء الإدارة وضعف الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، في حين يرى آخرون أن هذا الخطاب لا يعكس الصورة الكاملة، بل يسهم في تبرير استمرار الاعتماد على الخارج بدل الدفع نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وبين هذا وذاك يبقى المواطن العراقي عالقاً في دائرة القلق، يواجه نقصاً فعلياً في الغاز وارتفاعاً في أسعاره دون أن يجد تفسيراً واضحاً أو حلاً قريباً.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً في ظل ما يُشار إليه بالحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية، فإن التأثيرات لم تبقَ في إطارها الجيوسياسي، بل امتدت لتطال الأسواق بشكل مباشر، حيث شهد الدولار ارتفاعاً ملحوظاً مقابل الدينار، وهو ما انعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية، فالعراق كاقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، يتأثر سريعاً بأي تقلب في سعر الصرف، ومع ارتفاع الدولار يصبح كل شيء أكثر كلفة، من المواد الغذائية إلى الأجهزة الكهربائية، وصولاً إلى تكاليف البناء، وهذا ما يفسر أيضاً صعود أسعار المنازل بشكل لافت، إذ لم يعد امتلاك منزل حلماً سهلاً كما كان في السابق، بل تحول إلى عبء ثقيل يتطلب سنوات طويلة من الادخار، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطن بسبب التضخم، أما الذهب، فقد عاد ليؤدي دوره التقليدي كملاذ آمن، حيث اتجه كثير من الناس إلى شرائه كوسيلة لحفظ القيمة في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي، وهو سلوك يعكس فقدان الثقة بالاستقرار النقدي ويشير إلى حالة من التحوط الجماعي تجاه مستقبل مجهول.
غير أن الأخطر من كل ذلك ليس فقط ما يحدث على مستوى الأرقام والأسعار، بل ما يجري على مستوى الوعي الجمعي، إذ يبدو أن هناك نوعاً من التهيئة النفسية غير المباشرة للمجتمع العراقي لاحتمال الدخول في مرحلة حصار أو أزمة كبرى، وهذه التهيئة لا تأتي عبر خطاب واحد واضح، بل من خلال تراكم أخبار متفرقة وأزمات صغيرة تُضخَّم أحياناً أو تُقدَّم بطريقة تثير القلق، فحين يسمع المواطن يومياً عن نقص في الغاز، وارتفاع في الدولار، وتوترات إقليمية، وتصريحات متناقضة من المسؤولين، فإنه يبدأ تدريجياً في بناء تصور داخلي بأن الأسوأ قادم، وهذا ما يدفعه إلى تغيير سلوكه، فيبدأ بجمع المال إن استطاع، أو بشراء كميات أكبر من المواد الغذائية، أو حتى بتخزين الوقود، وهي ممارسات قد تبدو فردية لكنها حين تنتشر على نطاق واسع تتحول إلى ظاهرة اجتماعية تعكس فقدان الشعور بالأمان.
وفي هذا السياق، يلعب الإعلام دوراً محورياً، سواء بقصد أو دون قصد، في تشكيل هذه الحالة، فبعض المنصات تركز على إبراز السيناريوهات السلبية دون تقديم تحليل متوازن، بينما يذهب البعض الآخر إلى التقليل من حجم المشكلة أو إنكارها، مما يخلق فجوة بين ما يعيشه الناس فعلياً وما يُقال لهم، وهذه الفجوة هي التي تولد الشك، والشك بدوره يفتح الباب أمام الشائعات، التي تنتشر بسرعة في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الثقة بالمصادر الرسمية، ومن هنا يمكن فهم كيف أن الأزمات البسيطة، مثل تأخر توزيع الغاز أو ارتفاع سعر مادة معينة، يمكن أن تتحول إلى مؤشر على أزمة أكبر في ذهن المواطن، حتى لو لم تكن كذلك في الواقع.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الإقليمي والدولي، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يبقى عرضة للتأثر بأي صراع يدور في محيطه، ومع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، يصبح من الطبيعي أن يشعر العراقيون بأنهم قد يكونون في قلب أي تداعيات محتملة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية، وهذا الشعور يعززه تاريخ قريب عاش فيه البلد فترات من الحصار والعزلة، مما يجعل الذاكرة الجماعية حاضرة بقوة في تفسير الحاضر واستشراف المستقبل.
لكن رغم كل ذلك، لا بد من التمييز بين الاستعداد الواعي والهلع غير المبرر، فهناك فرق بين أن يقوم الفرد بإدارة موارده بحكمة تحسباً لأي طارئ، وبين أن ينجر وراء موجة من الخوف تدفعه إلى سلوكيات قد تضر بالسوق وبالمجتمع ككل، مثل الاحتكار أو المبالغة في التخزين، لأن هذه الممارسات قد تسهم فعلياً في خلق الأزمات التي يخشاها الناس، وهنا تبرز أهمية الوعي الجماعي القائم على المعلومات الدقيقة والتحليل المتزن، بدلاً من الانفعال اللحظي.
إن ما يمر به العراق اليوم يمكن قراءته على أنه اختبار لقدرة المجتمع والدولة معاً على التعامل مع الأزمات المركبة، التي لا تكون اقتصادية فقط ولا سياسية فقط، بل مزيجاً من الاثنين معاً، يضاف إليهما البعد الإعلامي والنفسي، وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذه المرحلة، فهو أن بناء الاستقرار لا يقتصر على توفير الموارد، بل يتطلب أيضاً إدارة رشيدة، وإعلاماً مسؤولاً، ومجتمعاً واعياً يدرك أن قوته لا تكمن فقط في ما يملكه من ثروات، بل في قدرته على فهم ما يجري حوله دون أن يقع أسير الخوف أو التضليل، لأن الأمة التي تُدار بعقل بارد ووعي عميق تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، مهما كانت معقدة أو طويلة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهاجم دولا خليجية وتعلن إغلاق مضيق هرمز
.. صفقة كبرى بين ترامب وإيران؟.. هرمز مقابل النووي!
.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتأسيس العلاقات مع العراق والمحيط
.. ما البرتوكول القطري في مراسم تشيعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان
.. رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: الأمير الوالد دعم لبنان ماديا