الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من سوق هش إلى منصة فرص: لماذا قد يصبح سوق بغداد للأوراق المالية أحد أهم أدوات التحول الاقتصادي في العراق؟
عامر عبد رسن
2026 / 4 / 15الادارة و الاقتصاد
لم يعد من الإنصاف النظر إلى Iraq Stock Exchange بوصفه مجرد منصة تداول محدودة التأثير أو سوقا صغيرا يتحرك على هامش الاقتصاد العراقي. فالأزمات الأخيرة، رغم قسوتها، كشفت عن حقيقة مهمة: السوق العراقية بدأت تكتسب مناعة تدريجية، والمستثمر العراقي بدأ يغير طريقته في التفكير، والاقتصاد العراقي نفسه أصبح بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى سوق مالية قوية تستطيع أن تتحول من مجرد “مرآة” للاقتصاد إلى أداة لصناعة النمو وتمويله.
فعلى الرغم من الانكماش الاقتصادي، وتعطل جزء من الصادرات النفطية، والضغوط على السيولة الحكومية، لم يشهد السوق العراقي انهياراً واسعاً أو موجات ذعر جماعي كما حدث في تجارب أخرى. بل على العكس، حافظت المؤشرات على قدر من التماسك، واستمرت التداولات، وظهرت شريحة جديدة من المستثمرين الشباب الذين باتوا ينظرون إلى الأزمات بوصفها فرص شراء لا أسباب هروب.
هذا التحول في السلوك ليس تفصيلا صغيرا، بل هو أحد أهم المؤشرات على نضج السوق. فالسوق المالية لا تنمو فقط عبر الأموال، بل عبر الثقة. والثقة تبدأ عندما يقتنع المستثمر أن الانخفاضات ليست نهاية اللعبة، بل جزء من دورتها الطبيعية. واليوم، يبدو أن المستثمر العراقي بدأ يخرج تدريجيا من عقلية البيع عند الخوف إلى عقلية الشراء عند القيعان.
وإذا كان الاقتصاد العراقي يمر اليوم بمرحلة صعبة بسبب الاعتماد الكبير على النفط، فإن هذا الاعتماد نفسه قد يتحول إلى فرصة تاريخية لبناء سوق مالية أكثر عمقا وتنوعا. فالعراق يمتلك واحدا من أكبر الاقتصادات النفطية في المنطقة، وكتلة نقدية ضخمة، وقطاعاً مصرفيا واسعا، وشركات كبيرة غير مدرجة، وطبقة شابة متزايدة الاهتمام بالاستثمار. لكن كل هذه العناصر ما تزال تعمل بصورة متفرقة، بينما يحتاج السوق إلى أن يتحول إلى نقطة التقاء بينها جميعاً.
لماذا يمكن أن يكون سوق بغداد للأوراق المالية قصة نجاح عراقية؟ ؛
هناك عدة أسباب تجعل مستقبل السوق العراقية أكثر إشراقاً مما يعتقد كثيرون.
أولا، العراق لا يعاني من نقص الأموال، بل من ضعف القنوات التي تستوعب هذه الأموال. فجزء كبير من السيولة العراقية ما يزال راكداً في النقد أو العقار أو المضاربة قصيرة الأجل، بينما تستطيع السوق المالية أن توفر وعاءً أكثر تنظيماً وشفافية وربحية على المدى المتوسط والطويل.
ثانيا، السوق ما تزال صغيرة نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد العراقي، وهذا يعني أن فرص النمو فيها كبيرة جداً. ففي الاقتصادات المتقدمة والناشئة، تلعب البورصات دوراً أساسياً في تمويل الشركات والمشاريع، بينما ما تزال السوق العراقية في بدايات هذا الدور، ما يفتح الباب أمام مضاعفة قيمتها وعدد شركاتها وأحجام تداولها خلال السنوات المقبلة.
ثالثا، هناك فرصة مهمة لجذب رؤوس الأموال العراقية الموجودة خارج النظام المالي الرسمي. فالكثير من المستثمرين العراقيين داخل البلاد وخارجها يبحثون عن أدوات آمنة ومرنة للاستثمار، وإذا توفرت الثقة والشفافية والحماية القانونية، فإن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يمكن أن يتجه نحو السوق.
رابعا، العراق يتمتع بموقع جغرافي وسياسي يجعله قادراً على جذب اهتمام المستثمرين الإقليميين والدوليين إذا استطاع أن يقدم سوقاً مالية أكثر تنظيماً وانفتاحاً. فالمستثمر الخارجي لا يبحث فقط عن الاستقرار، بل يبحث أيضا عن الأسواق التي ما تزال “رخيصة” وقابلة للنمو، والعراق يمتلك هذه الصفة بوضوح.
كيف يمكن تطوير السوق وتحويلها إلى منصة جذب للاستثمار؟ ؛ لكي يتحول Iraq Stock Exchange إلى لاعب اقتصادي حقيقي، فإن الأمر يحتاج إلى خطة عمل متدرجة وطموحة في الوقت نفسه.
أولا: توسيع قاعدة الشركات المدرجة ؛ لا يمكن أن يبقى السوق معتمدا بصورة أساسية على عدد محدود من المصارف وبعض الشركات الصغيرة. المطلوب هو إدراج شركات أكبر وأكثر تنوعا، خاصة في قطاعات:
1. النفط والطاقة
2. الاتصالات
3. النقل والخدمات اللوجستية
4. الصناعات الغذائية والدوائية
5. السياحة والفنادق
6. شركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية
7. شركات المقاولات والبنية التحتية
كما يمكن للحكومة أن تبدأ بإدراج جزئي لبعض الشركات الحكومية الرابحة أو تحويل جزء من ملكيتها إلى الجمهور، وهو ما سيزيد عمق السوق ويمنح المواطنين فرصة المشاركة في ملكية أصول الدولة بشكل منظم.
ثانيا: إدخال أدوات مالية جديدة ؛ السوق العراقية ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الأسهم التقليدية، بينما تحتاج إلى أدوات أوسع مثل:
1. صناديق الاستثمار
2. السندات الحكومية والخاصة
3. الصكوك الإسلامية
4. صناديق المؤشرات
5. أدوات التمويل العقاري
6. السندات الخضراء وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة
كلما زادت الأدوات، زادت قدرة السوق على جذب فئات مختلفة من المستثمرين، من الأفراد إلى المؤسسات المحلية والأجنبية.
ثالثا: تعزيز الشفافية والإفصاح ؛ الثقة هي رأس مال السوق الحقيقي. ولذلك فإن أي خطة تطوير يجب أن تبدأ بتحسين جودة الإفصاح المالي، وفرض معايير أعلى للحوكمة، وتسريع نشر البيانات، وتحديث أنظمة الرقابة.
كما يجب إلزام الشركات المدرجة بتقديم تقارير أكثر وضوحا وانتظاما، وإتاحة المعلومات للمستثمرين بشكل مبسط وحديث، لأن المستثمر الأجنبي خصوصاً لا يغامر بأمواله في سوق لا توفر له معلومات دقيقة وسريعة.
رابعا: تطوير البنية التكنولوجية ؛ ينبغي أن تصبح السوق أكثر سهولة ومرونة من خلال:
1. توسيع التداول الإلكتروني
2. تطوير تطبيقات الهاتف للاستثمار
3. تبسيط فتح الحسابات
4. إدخال خدمات التداول عن بعد
5. تحسين الربط مع المصارف وشركات الدفع الإلكتروني
6. تسهيل دخول المستثمر العراقي المقيم في الخارج
فكلما كانت تجربة الاستثمار أسهل، زادت المشاركة وارتفعت السيولة.
خامسا: جذب الأموال العراقية في الخارج ؛ يمتلك العراقيون في الخارج كتلة مالية كبيرة، لكن جزءا مهما منها لا يدخل إلى السوق العراقية بسبب ضعف الثقة وغياب الأدوات المناسبة. ويمكن معالجة ذلك عبر:
1. إنشاء نافذة استثمار خاصة للمغتربين
2. تقديم حوافز ضريبية أو رسوم مخفضة
3. توفير منصات باللغة الإنجليزية والعربية
4. السماح بفتح الحسابات والاستثمار عن بعد
5. تقديم تقارير احترافية عن أداء السوق والفرص المتاحة
سادسا: تسويق العراق كسوق ناشئة واعدة ؛ ينبغي على الجهات المنظمة للسوق أن تتبنى سياسة تسويقية نشطة في الخارج، من خلال:
1. عقد مؤتمرات استثمارية في Dubai وLondon وIstanbul
2. التواصل مع الصناديق الاستثمارية الإقليمية
3. تحسين تصنيف السوق في المؤشرات الدولية
4. بناء شراكات مع بورصات عربية وإقليمية
5. دعوة شركات الوساطة العالمية للعمل في العراق
ما الذي يمكن أن يحدث إذا نجحت هذه الخطة؟ ؛ إذا نجح العراق في تطوير سوقه المالية خلال السنوات المقبلة، فإن النتائج قد تكون كبيرة جدا. فالسوق يمكن أن تتحول إلى:
1. مصدر تمويل للمشاريع والشركات
2. قناة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية
3. أداة لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة
4. وسيلة لتحريك المدخرات المحلية
5. منصة لخصخصة مدروسة لبعض أصول الدولة
6. مؤشر أكثر دقة على صحة الاقتصاد الحقيقي
والأهم من ذلك، أنها قد تتحول إلى إحدى الأدوات التي تساعد العراق على الخروج التدريجي من الاعتماد المفرط على النفط، لأن الاقتصاد الذي يملك سوقا مالية قوية يكون أكثر قدرة على تمويل نفسه من الداخل، وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات.
إن مستقبل Iraq Stock Exchange لا يجب أن يقرأ فقط من خلال أرقام التداول اليومية أو ارتفاع مؤشر وانخفاض آخر، بل من خلال السؤال الأكبر: هل يستطيع العراق أن يبني سوقا مالية تعكس طموحه الاقتصادي الجديد؟
الجواب يبدو أقرب إلى نعم، إذا توافرت الإرادة والإصلاح والثقة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم
.. مستقبل أسعار النفط بعد عودة التصعيد الأمريكي الإيراني
.. قراءة اقتصادية | أزمة هرمز تهدد إمدادات الطاقة العالمية وسط
.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة
.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على