الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من عتمة السقوط إلى نور الهدى: كيف يعيدنا الآخرون إلى أنفسنا؟

جمال بعلي

2026 / 4 / 15
قضايا ثقافية


​تعدُّ رحلة الإنسان في هذه الحياة مزيجاً من التأثر والتأثير، فنحن لا نعيش في جزر معزولة، بل في فضاء اجتماعي يشبه المدرسة المفتوحة التي تمنحنا دروسها بالمجان من خلال سلوكيات الآخرين. إنَّ الذكاء الإنساني الحقيقي لا يتجلى فقط في القدرة على تحصيل المعرفة، بل في "البصيرة الأخلاقية" التي تمكننا من فلترة ما نراه؛ فنأخذ من الصالحين حسن سمتهم ليكون لنا نبراساً، ونرقب مآلات أهل السوء لنصنع منها جداراً واقياً يحمينا من السقوط في ذات العثرات. وهذا المنهج هو تجسيد لعمق الوعي الذي دعا إليه الإسلام، حيث لا يكتفي المرء بإصلاح نفسه، بل يمتد وعيه ليقرأ في الآخرين رسائل إلهية وحكماً بشرية، تجعل من "الاعتبار" بغيره وسيلة للنجاة، فالعاقل من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه.
​تبدأ كيمياء التغيير حين يدرك الإنسان أن "الآخر" قد يكون مرآة صادقة لعيوبه المستترة، أو نافذة يطل منها على جمال لم يدركه في نفسه بعد. انظر إلى تحول "بشر الحافي" الذي كان غارقاً في لهوه، حينما رأى ورقة في الطريق كُتب عليها اسم الله تدوسها الأقدام؛ لم يمر الموقف عليه مرور الكرام، بل استشعر قبح إهمال "الآخرين" لهذا المقدّس، فرفعها ونظفها وطيبها بماله القليل. في تلك اللحظة، كان تعظيمه لاسم الله رداً على استهانة الآخرين، فجاءه النداء الباطني: "يا بشر، طيبت اسمنا فطيبنا اسمك في الدنيا والآخرة"، لينتقل بموقف واحد من حياة الضياع إلى مقام الولاية والزهد، متعظاً من "الغفلة" التي رآها في الطريق، ومدركاً أن تعظيم ما أهمله الآخرون هو أول طريق الفلاح.
​إنَّ النموذج النبوي في قوله "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قدم ثورة في مفهوم التعلم والتغيير؛ فالنصرة هنا لم تعد دعماً أعمى في العصبية، بل أصبحت عملية "إنقاذ أخلاقي". فحين يمنع الإنسان أخاه عن الظلم، فهو لا يغير سلوك الآخر فحسب، بل يرسخ في نفسه مبدأ كراهية القبيح والترفع عنه. هذا الوعي هو الذي جعل "عدي بن حاتم الطائي"، وهو ابن الملك المطاع، يراقب النبي ﷺ بذكاء المترقب. لم تبهره الخطابات، بل بهره موقف إنساني حين رأى النبي ﷺ تقف معه امرأة ضعيفة في حر الشمس، فظل منصتاً لها حتى قضى حاجتها. هنا تعلم عدي من "تواضع الآخر" أن العظمة لا تُنال بالتيجان، بل بنبل الأخلاق، فقال في نفسه: "والله ما هذا بملك"، فكان هذا المشهد هو الجسر الذي عبر به من الكبر إلى الإيمان.
​وعلى الضفة الأخرى، نجد أن "مآلات السوء" التي تظهر على الظالمين تمثل أعظم واعظ يزجر النفس عن القبيح. ففي قصة مالك بن دينار، الذي بدأ حياته شرطياً غليظاً غارقاً في الذنوب، نجد أن التغيير جاء عبر رؤيا جسدت له "قبح عمله" في صورة تنين يطارده، ولم ينقذه منه إلا رجل ضعيف يمثل "عمله الصالح المهمل". استيقظ مالك من صرخة ضميره وسماع آية "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ"، ليدرك أن استمراره في طريق "السوء" الذي رآه في رؤياه سيهلكه. فكان اعتبارُه بما رآه سبباً في ولادة "عالم البصرة" الذي ملأ الدنيا زهداً وعلماً، بعد أن أدرك أن نجاة الإنسان تبدأ من كفه لنفسه عن غيها.
​إن القدرة على التعلم من الآخر تتطلب قلباً حياً، يرى في سقوط الظالمين رسالة تحذير، وفي ثبات المظلومين منارة هدى. وحين نرى نهاية الحجاج بن يوسف الثقفي، وكيف طاردته دماء سعيد بن جبير في منامه حتى صار يصرخ "مالي ولسعيد"، ندرك أن الله يجعل من مآسي الظالمين دروساً حية لغيرهم ليحذروا الظلم. نحن اليوم، حين نرى الخير في الآخرين فنقتدي به، ونرى القبح فنكف أيدينا وأيديهم عنه، نكون قد حققنا توازناً اجتماعياً فريداً. فنحن لا نتعلم لنكون نسخاً مكررة، بل لنكون أفضل نسخة من أنفسنا، مستلهمين من جمال الصالحين، ومتجنبين لثقوب الزلات التي هوى فيها غيرنا.
​وبعد أن طوّفنا في آفاق التغيير والاعتبار، ندرك أنَّ المرء مرهونٌ بمن يحيط نفسه بهم، وبمن يفتح لهم نافذة التأثير في روحه. فالعاقل هو من يجعل من "الآخر" بوصلة ترشده إلى مكامن الجمال في نفسه، أو إنذاراً يصرفه عن مسالك الردى. ولعل خير ما نختم به هذا البيان هي تلك القاعدة الذهبية التي سطرها ابن عطاء الله السكندري في حِكمه، لتكون ميزاناً لكل من أراد الارتقاء بنفسه عبر الاقتداء الواعي، حيث قال:
​"لا تَصحبْ مَن لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله."

​إنها دعوة لأن يبقى عبورنا في هذه الحياة واعياً؛ فنقتبس النور ممن أشرقت أرواحهم، ونستعيذ بالله من مسالك من أظلمت عواقبهم، لنظل دوماً في ارتقاءٍ مستمر من عتمة الغفلة إلى رحابة الهدى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل تخترق فوردو.. كوهين يكشف أخطر أسرار الموساد في إيران


.. وزارة الدفاع الليبية: لن نتهاون مع الاعتداءات التي استهدفت ا




.. زلزال كولومبيا.. ارتفاع أعداد الضحايا ونقص في المساعدات والف


.. خارج الصندوق | قاآني يضغط لتأجيل حصر سلاح الفصائل العراقية..




.. خارج الصندوق | ترسانة أسلحة في قبضة الجيش المصري.. إحباط مخط