الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 4 / 15
الادب والفن


إذا كان بعض الرجال يُعرَفون بما جمعوا من مال، أو بما تقلدوا من منصب، أو بما ورثوا من اسم، فإن حسن السوداني رجلٌ عُرِف بما أودع في الصورة من عقل، وما بثَّ في المشهد من روح، وما أجرى في البصر من حكمة، حتى غدت سيرته مثالًا للرجل الذي إذا نظر إلى الفن لم يره لهوًا، وإذا تناول التقنية لم يجعلها صنعةً باردة، بل رآها بابًا إلى تهذيب الإدراك، وتربية الحس، وتوسيع مدى الإنسان في الفهم والتأويل. هو من أبناء بغداد، تلك المدينة التي إذا أنجبت عقلًا منحته من دجلة صفاءه، ومن أزقتها دهاءها، ومن تاريخها سعة المزاج واختلاط الطبائع. وُلد سنة 1964، في زمن كانت فيه المدينة ما تزال تُنبت المثقف من تربة الحياة اليومية، فيخرج من المدرسة إلى المسرح، ومن الشارع إلى المكتبة، ومن شاشة السينما إلى أسئلة الوجود. ومن هذا المناخ خرج حسن السوداني، لا طالب شهادة فحسب، بل طالب صورة، وطالب معنى، وطالب نظام خفي يحكم العلاقة بين العين وما تراه. دخل كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، قسم الفنون السمعية والمرئية، فكان الأول على دفعته سنة 1986، وليس التقدم في الدراسة عند أمثاله من قبيل الحفظ والتكرار، ولكنه ثمرةُ عقلٍ إذا لقي الفكرة حللها، وإذا واجه الأداة استنطقها، وإذا رأى الصورة سألها: كيف تُبنى، وكيف تُقرأ، وكيف تتحول من شكلٍ صامت إلى قوةٍ فاعلة في الوعي؟
والفرق بعيد بين من يدرس الفن ليُقال عنه فنان، ومن يدرس الفن لأنه يرى في كل صورة فلسفةً كامنة، وفي كل لقطةٍ نظامًا من العلامات، وفي كل مشهدٍ تربيةً للعين والعقل معًا. وكان السوداني من هذا الضرب الثاني، ممن لا يقفون عند حدود الأداء، بل يتجاوزونه إلى معرفة أسباب الأداء، وطبائع التلقي، ومكر الصورة حين تتسلل إلى الوجدان من حيث لا يشعر المتلقي. ثم مضى إلى الماجستير، فنالها سنة 1990 بتقدير امتياز، وكانت رسالته في "برامج المعاقين في الإذاعة وبناء نموذج عراقي". وهذا العنوان وحده شاهدٌ على أن الرجل لم يكن أسير الترف النظري، بل كان يرى الإعلام رسالةً اجتماعية، ويرى الصوت وسيلةَ عدلٍ رمزي، يرد إلى المهمشين حقهم في الظهور، ويمنح الفئات المنسية لسانًا في المجال العام. فالإبداع عنده لا يكتمل إلا إذا انحاز إلى الإنسان، ولا يبلغ شرفه إلا إذا نزل من برج النخبة إلى حاجة المجتمع. ثم أحرز الدكتوراه سنة 1996 في تكنولوجيا التعليم، وكانت رسالته في أثر العرض البصري القائم على خصائص الصورة التعليمية التلفزيونية في عملية التعرف لدى طلبة كلية الفنون الجميلة. وهنا يظهر معدن الرجل على وجهه الأتم: فليس هو ابن فنٍ منفصل عن التربية، ولا ابن تعليمٍ جافٍ منزوع الجمال، بل هو من أولئك الذين أدركوا أن الصورة ليست زينةً للمعرفة، بل هي في كثير من الأحيان شرطٌ من شروطها، وأن العين طريقٌ للعقل، وأن التلفزيون، إذا أُحسن توظيفه، أمكن أن يكون معلمًا لا يقل أثرًا عن الكتاب، وربما فاقه في بعض المواطن.
والصورة "أبقاك الله" ليست عند أهل البصيرة سطحًا مرئيًا، وإنما هي خطابٌ ذو طبقات، تبدأ من الضوء ولا تنتهي عند المعنى. وحسن السوداني من أولئك الذين عرفوا للصورة نحوَها وصرفَها وبلاغتَها، كما عرف البلغاء للفظ جرسه وإيقاعه وموضعه. فهو متخصص في إنتاج الأفلام والبرامج والصور التعليمية، ولكنه في الحقيقة كان منتجًا لطرائق نظر، ومهندسًا لعلاقة جديدة بين المتعلم والمشهد.
درّس في قسم السينما في كلية الفنون الجميلة بين 1988 و1992، ثم انتقل إلى قسم الإرشاد التربوي في الجامعة المستنصرية، وتولى إدارة مركز تطوير طرائق التدريس والتدريب الجامعي، وقسم الأفلام والبرامج التعليمية. وهذه المناصب عند غيره قد تكون وظائف، أما عنده فقد كانت مختبرًا للأفكار، وميدانًا لتجريب ما آمن به من أن التعليم لا ينهض إلا إذا صارت المعرفة مرئيةً، محسوسةً، قابلةً لأن تُدركها الحواس قبل أن تُصاغ في المفاهيم. وفي تلك السنوات أخرج عددًا من الأفلام والبرامج التعليمية، فجمع بين التنظير والتطبيق، وبين البيان والبرهان، وبين العقل الصانع والعين الناقدة. وليس كل من كتب في الصورة استطاع أن يصنعها، ولا كل من صنعها أحسن قراءتها، ولكن الفضيلة الكبرى عند السوداني أنه جمع بين اليد التي تُنتج والعين التي تُؤول. ثم كانت تجربته في الجامعات الليبية بين 1998 و2000، حيث درّس مادة التقنيات التربوية "تصميمًا وإنتاجًا". وهنا تتجلى خصلة أخرى من خصال المثقف الحق، وهي أن المعرفة لا وطنًا واحدًا لها، بل أوطانها كل عقلٍ قابل، وكل مؤسسةٍ راغبة، وكل طالبٍ ما زال يظن أن العلم طريقٌ للارتقاء. فالرجل حمل خبرته من بغداد إلى فضاء عربي أوسع، وكأنما كان يؤمن أن الصورة التعليمية لغةٌ تتجاوز الحدود، وأن المعرفة المرئية أكثر الألسنة قدرةً على العبور.
ونشر أكثر من عشرين بحثًا في تكنولوجيا الإنتاج وقراءة البصريات، في مجلات عربية ودولية، من اتحاد الإذاعات العربية إلى اليونسكو، ومن ليبيا إلى لبنان، ومن السويد إلى هولندا والنمسا. وهذه الكثرة ليست كثرة عدد، بل كثرة أثر، إذ تدل على عقلٍ لم يرضَ أن يسكن ما عرف، بل ظل يراجع، ويضيف، ويقارن، ويعيد تركيب الأسئلة على ضوء تحولات الوسيط البصري. وهو إلى ذلك كاتبٌ صحفي مارس العمل في الصحف والمجلات العراقية منذ 1986، يكتب في نقد الفنون البصرية من مسرح وسينما وتشكيل. والنقد عند أمثاله ليس وصفًا لما يظهر، بل كشفٌ لما يختبئ. إنه تفكيك للعلاقات بين الشكل والسلطة، بين اللون والدلالة، بين الكادر وما يُقصى خارجه، بين ما يُرى وما يُراد له أن يُرى. ومن هنا كان حضوره في الصحافة امتدادًا لحضوره الأكاديمي، لأن كليهما يصدر عن حسٍّ واحد: حسِّ القراءة العميقة للصورة. ولما أقام في السويد، لم ينقطع عن رسالته، بل عمل معدًا ومخرجًا لإذاعة المهاجرين في جنوب السويد، وكأن المنفى لم يكن عنده انقطاعًا بل تحوُّلَ وسيط، وانتقالًا من جغرافيا إلى جغرافيا، مع بقاء الجوهر ثابتًا: خدمة الإنسان عبر الإعلام، وصناعة الجسر بين المعرفة والناس. ومن أجمل ما في سيرة هذا الرجل أنه لم يحصر نفسه في فردانية الإنجاز، بل دخل العمل المؤسسي، فكان عضوًا مؤسسًا في المعهد السويدي العراقي للتنمية والديمقراطية، وعضوًا في نقابات الفنانين والمصورين والصحفيين، محليًا وعالميًا. لأن العقل الخبير يعلم أن الثقافة التي لا تتحول إلى مؤسسة تبقى أثرًا عابرًا، وأن الخبرة إذا لم تُترجم إلى بنيةٍ جمعية سرعان ما يطويها النسيان.
أما جوائزه، فهي شاهد آخر على تنوع ملكاته. نال جوائز في السينوغراف عن أعمال مسرحية بارزة، وجائزة التأليف المسرحي للمؤلفين الشباب، وجائزة الإخراج في مهرجان مسرح الشباب، فضلًا عن جوائز متعددة في مهرجانات قسم السينما. وهذا التعدد يكشف أن الرجل لم يكن أسير حقلٍ واحد، بل كان ذا روحٍ موسوعية، يتنقل بين المسرح والسينما والتلفزيون والصحافة والتربية، كما يتنقل النهر بين مجاريه المختلفة مع احتفاظه بمائه الواحد. والحق أن حسن السوداني يمثل نموذج "المثقف البصري"، ذلك الذي فهم العصر من نافذة الصورة قبل أن يدرك كثيرون أن المستقبل سيكون للمشهد، وللشاشة، وللصورة التعليمية، وللقدرة على تحويل المعرفة إلى لغةٍ تُرى كما تُقرأ. سبق زمنه لأنه أدرك مبكرًا أن المعركة الكبرى في التربية والإعلام ليست معركة مضمونٍ فقط، بل معركة شكل، وأن طريقة عرض الفكرة قد تكون في أحيان كثيرة هي الفكرة نفسها. وإذا كان الجاحظ قد جعل الكتاب وعاء العلم، فإن حسن السوداني جعل الشاشة وعاءً جديدًا للمعرفة، تُنطق الصامت، وتُجسد المجرد، وتُقرّب البعيد، وتُعلّم العين كيف تكون شريكةً للعقل. فهو من أولئك الذين نقلوا الثقافة من الصفحة إلى الضوء، ومن الحرف إلى الإطار، ومن البيان اللفظي إلى البيان البصري.
يقيم اليوم في مالمو السويدية، غير أن أمثال هؤلاء لا يُقال عنهم إنهم يقيمون في مدينة، بل يُقال إنهم يقيمون في مشروع. فحيثما كان حسن السوداني، كانت الصورةُ موضوعَ سؤال، وكان التعليمُ مجالَ تطوير، وكان الفنُّ ساحةً لاختبار المعنى، وكان المنفى نفسه مادةً لإعادة تعريف الهوية عبر الوسائط الجديدة. فهذا رجلٌ اجتمع له فضل الدرس، وفضيلة النقد، وحرفة الإخراج، وحكمة التربية، وسعة الانتشار، حتى صار مثالًا للمثقف الذي لا يكتفي بأن يرى العالم، بل يعلّم العالم كيف يرى. ومن كانت هذه منزلته، فليس يُذكر في سجل السيرة فحسب، بل يُذكر في سجل الأثر، لأن الرجال يُقاسون بما يتركون في العقول، لا بما يتركون في الأوراق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات