الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الم واجل
منير السباح
2026 / 4 / 15الادب والفن
لم يكن خروجه من البيت ذلك اليوم فعلًا عاديًا، بل كان أشبه بمحاولة هروبٍ من شيءٍ يسكنه ولا يتركه. كان متجهًا إلى أخته المريضة، نعم، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه لا يملك لها شيئًا يخفف به وطأة ما تعانيه. كان يشعر—بوضوحٍ يكاد يكون مهينًا—بعجزه.
وهل هناك ما هو أثقل على الإنسان من أن يرى من يحب يتآكل أمامه… ولا يستطيع أن يفعل شيئًا؟
كانت أخته تمضي في طريقٍ يعرف نهايته، وتعرفها هي أيضًا، لكن كليهما يتواطآن على الصمت. كانت تصبر، تصبر بطريقةٍ تُخجله. أما هو، فكان يحاول أن يقنع نفسه أن حضوره وحده نوعٌ من الفعل… مع أنه في داخله كان يعلم أنه لا يكفي.
خرج إلى الشارع، فوجد السماء ملبدة، والبرد يتسلل إلى عظامه كأنه امتداد لما في داخله. لم يكن البرد خارجًا عنه، بل كان فيه. كل شيء كان يبدو متواطئًا مع حالته: الغيوم، الصمت، وجوه الناس التي تمر دون أن ترى.
ركب سيارة أجرة، وجلس صامتًا. لم يكن يفكر في شيء محدد، بل في كل شيء في آنٍ واحد، وذلك أسوأ. وعندما طلب السائق أجرة أعلى مما يجب، لم يغضب بقدر ما شعر بشيءٍ من الاشمئزاز. ليس من السائق وحده… بل من هذا العالم الذي يسمح لمثل هذه التفاصيل الصغيرة أن تستمر وكأنها طبيعية.
دفع نصف المبلغ ونزل.
لم يكن الأمر يتعلق بالمال، بل بشيءٍ أعمق: رفضه لأن يتواطأ مع ما يراه خطأً، حتى وإن كان بسيطًا. كان يشعر أن التنازل الصغير هو بداية انهيارٍ أكبر.
مشى.
لم يكن يمشي إلى مكان، بل كأنه يمشي داخل نفسه. كان الشارع مألوفًا إلى درجة الملل. كل شيء فيه مكرر: المباني، الأشجار المغبرة، الوجوه التي لا تلتفت. شعر فجأة أن العالم كله يتحرك دون أن يتغير.
ثم تعثر.
كان حجرًا صغيرًا… لكنه كان كافيًا ليوقظه.
رفع رأسه، وهنا حدث ما لم يكن في حسبانه.
رأى القطة.
في البداية لم يرَ قطة، بل رأى كتلة من الألم. شيئًا لا يمكن تسميته بسهولة. وحين اقترب، بدأت التفاصيل تظهر: الجسد الممزق، الرائحة التي تكاد تكون إدانة للعالم كله، والديدان التي وجدت في هذا الجسد مأوى.
تراجع خطوة.
ليس خوفًا منها… بل من نفسه.
في تلك اللحظة، أدرك أنه أمام اختبار. اختبار لا يتعلق بالقطة بقدر ما يتعلق به هو.
هل سيتوقف؟
أم سيمضي؟
فكر في أخته. فكر في أنه متأخر. فكر في أن هذا ليس شأنه. كل المبررات كانت حاضرة، جاهزة، منطقية.
وهنا كان الخطر.
لأن المبررات، حين تكون منطقية جدًا، تكون غالبًا طريقًا للهروب.
تذكر صديقه بكر. لم يكن تذكرًا عابرًا، بل كأن الذاكرة دفعت به عمدًا إلى هذا الموقف. رجل يحمل قطة جريحة ويأخذها إلى طبيب. لم يفهمه حينها… لكنه الآن يفهم.
اتصل به.
ثم عاد.
حين عاد إلى القطة، نظر إليها. لم تكن قد تحركت. لكن عينيها… كان فيهما شيء لا يمكن إنكاره. لم يكن رجاءً فقط… بل اتهامًا أيضًا.
كأنها تقول له:
أنت ترى… فماذا ستفعل؟
وهنا لم يعد يستطيع أن يمضي.
حملها.
لم يكن الحمل جسديًا فقط، بل كان كأنه حمل قرارًا. وضعها في صندوق، وأخذها إلى الطبيب.
في العيادة، حين فُتح الصندوق، خرجت الرائحة كأنها حقيقة لا يمكن إخفاؤها. الحقيقة دائمًا لها رائحة، فكر في نفسه.
سأله الطبيب إن كان قد عاش في السويد.
ابتسم داخليًا.
حتى الرحمة أصبحت تُفسر جغرافيًا.
حين سأله عن إمكانية علاجها، لم يُجبه فورًا. كان الطبيب يعمل، ينظف، يزيل، يقاوم ما يمكن مقاومته. ثم قال إنها قوية… إن عينيها تقولان ذلك.
العينان.
عادتا مرة أخرى.
كأن كل شيء في هذه القصة يعود إلى تلك العينين.
وحين سأل عن مستقبلها، عن قدرتها على المشي، جاءت الإجابة قاسية وبسيطة: لن تمشي. قد تُبتر أقدامها.
وهنا ظهر السؤال الحقيقي.
سأل عن إبرة الرحمة.
لكنه، في أعماقه، لم يكن يسأل عن القطة… بل عن نفسه.
هل يريد أن ينهي ألمها؟
أم يريد أن ينهي عبئه؟
رفض الطبيب.
تركه مع السؤال.
حمل القطة وعاد إلى البيت، وهو يشعر أنه لم يعد الشخص نفسه الذي خرج قبل ساعات.
تسلل إلى الداخل، كأن ما يحمله سر. وضعها في السطح، في صالة خالية. مكانٌ يشبه البداية… أو النهاية.
أحضر لها طعامًا. لم تأكل.
أحضر قماشًا. لفّها به، كأن الدفء يمكن أن يعوّض ما فقدته.
ظل يعود إليها كل ساعة.
لم يكن يراقبها فقط… بل كان يراقب نفسه معها.
وفي كل مرة كان ينظر إلى عينيها، كان يشعر أن السؤال ما زال قائمًا.
حتى نام.
حين استيقظ قبل الفجر وصعد، كان في داخله شيء يعرف… لكنه لا يريد أن يعترف.
فتح الصندوق.
وكانت الإجابة هناك.
ساكنة.
هادئة.
كأنها أنهت صراعها بصمت.
وقف طويلًا.
لم يشعر بانتصار، لأنه لم يكن هناك انتصار.
ولم يشعر بهزيمة، لأن الأمر لم يكن معركة عادلة أصلًا.
شعر بشيءٍ آخر…
شيء يشبه انكشاف الحقيقة.
أن الأمل لا يلغي الأجل.
وأن الإنسان، مهما حاول، لا يملك دائمًا أن ينقذ.
لكنه يملك أن يختار:
أن يكون حاضرًا… أو غائبًا.
وأدرك، متأخرًا وربما في الوقت المناسب،
أن الرحمة ليست أن تغيّر النهاية…
بل أن ترفض أن تترك الألم وحيدًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلكم | إجازة عائلية في تايلاند تتحول إلى فيلم رعب!
.. إزاي الممثل يعيط من غير جلسرين؟.. شوفوا رأي الفنان أحمد كمال
.. سحر الفن والطبيعة في قلب نيل الزمالك .. عشرات الفنانين يحتف
.. أحمد فضل شبلول يتحدث عن اتفاق سري منح الفنان التشكيلي محمود
.. الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول يكشف كواليس ترشحه وفوزه بجائز