الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة

احمد البهائي

2026 / 4 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


بابوية أفينيون هي فترة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية امتدت من 1309 إلى 1377، حين انتقل مقر البابا من روما إلى مدينة أفينيون جنوب فرنسا تحت تأثير مباشر من التاج الفرنسي، وقد بدأت مع البابا كليمنت الخامس في ظل نفوذ الملك فيليب الرابع، حيث دفعت الاضطرابات في روما والضغوط السياسية إلى هذا الانتقال، فاستقر سبعة بابوات متعاقبين في أفينيون بدلًا من روما، ما جعل الكنيسة تبدو وكأنها واقعة تحت الهيمنة الفرنسية، وأثار ذلك انتقادات واسعة حول استقلالية القرار البابوي وتسييس السلطة الروحية، إذ تراجعت مكانة روما كمركز ديني مباشر وتزايد الجدل حول خضوع الكنيسة للسلطة الزمنية، وهو ما ساهم لاحقًا في تفاقم أزمة الشرعية التي أدت إلى الانشقاق الغربي، وانتهت هذه المرحلة عام 1377 بعودة البابا غريغوري الحادي عشر إلى روما، لتبقى بابوية أفينيون مثالًا تاريخيًا على تأثر السلطة الدينية بميزان القوى السياسية المحيطة
في لحظة تبدو للوهلة الأولى مجرد اشتباك سياسي بين خطاب ديني ورئيس أمريكي، يتكشف صراع أعمق بكثير من التصريحات المتبادلة بين الكرسي الرسولي ودونالد ترامب. إنه صراع قديم في جوهره، متجدد في أدواته: من يملك حق تعريف “الصواب” في عالم تحكمه المصالح لا المبادئ؟
الجدل الذي أثاره ترامب حول موقف البابا من الحروب وإيران لا يمكن قراءته كاختلاف سياسي عابر، بل كرفض صريح لفكرة أن هناك سلطة أخلاقية يمكن أن تقف فوق منطق القوة. في هذا النموذج، السياسة ليست مساحة للنقاش القيمي، بل ساحة اختبار للنفوذ، ومن يخرج عنها يُتهم تلقائيًا بالسذاجة أو التسييس غير المشروع للدين.
لكن هذا الصدام يعيد إلى الواجهة نموذجًا تاريخيًا شديد الدلالة: تجربة بابوية أفينيون، حين لم تعد السلطة البابوية تمارس استقلالها الرمزي والروحي كاملًا، بل وجدت نفسها داخل بيئة سياسية تُعيد تشكيل قراراتها وحدود خطابها، ليس عبر الإلغاء المباشر، بل عبر الإحاطة والتأثير والتقييد غير المعلن.
في ذلك السياق التاريخي، لم تُلغَ سلطة البابا، لكنها فقدت جزءًا من حريتها الفعلية تحت ضغط مركز قوة سياسي مهيمن. واليوم، لا يتكرر المشهد بالشكل الجغرافي ذاته، لكن المنطق نفسه يعود بصيغة مختلفة: ليست إقامة قسرية داخل مدينة، بل إقامة رمزية داخل شبكة نفوذ عالمي تجعل الخطاب الأخلاقي دائمًا تحت الاختبار أمام منطق الدولة والقوة.
من هذا المنظور، يبدو الاشتباك مع ترامب ليس مجرد خلاف حول الحرب أو إيران أو تعريف السلام، بل محاولة لإعادة دفع الصوت الأخلاقي إلى موقعه “المقبول” داخل النظام الدولي: صوت محترم، لكنه غير مُلزم؛ مؤثر، لكنه غير حاكم؛ حاضر، لكنه غير قادر على تعطيل منطق الردع.
المفارقة أن ما كان في أفينيون صراعًا بين سلطة دينية وسلطة ملكية أوروبية، أصبح اليوم صراعًا بين خطاب عالمي للضمير الإنساني وبين منظومة سياسية تعتبر أن الاستقرار لا يُبنى إلا عبر القوة وإدارة التهديد. لكن الجوهر لم يتغير: كلما حاولت السلطة الأخلاقية أن تتجاوز دور “الرمز”، أعادتها السياسة إلى موقع “التذكير”، لا “القرار”.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يفقد راهنيته: هل يمكن للخطاب الأخلاقي أن يبقى مستقلًا فعلًا في عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق الردع والتوازن والمصالح؟ أم أن كل سلطة، حتى الأكثر رمزية وروحانية، تجد نفسها في نهاية المطاف داخل نسخة جديدة من “أفينيون” غير مرئية، تُحاصرها لا الجدران، بل شبكات النفوذ والإكراه غير المباشر؟
في النهاية، لا يبدو الصراع بين البابا وترامب حدثًا منفصلًا، بل لحظة كاشفة لبنية أوسع: عالم لا يعترف بالأخلاق إلا عندما لا تعارض حسابات القوة، ولا يمنح الصوت الروحي مكانه إلا حين لا يحاول أن يتحول إلى قرار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا


.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر




.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا


.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا




.. مدينة مشهد.. المحطة الأخيرة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الإ