الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في تجربة محمود فهمي عبود
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 4 / 15الادب والفن
تنهض لوحة "سيدات شارع المتنبي" للفنان التشكيلي العراقي محمود فهمي عبود بوصفها نصاً بصرياً مشحوناً بأكثر من طبقة دلالية، فهي لا تكتفي بتسجيل مشهد حضري عابر لنساء يمشين في شارع ليلي مضاء، بل تعيد بناء علاقة الإنسان العراقي بمدينته، والمرأة بفضائها العام، والذاكرة الجمعية بمسرحها اليومي. ومنذ النظرة الأولى، يتبدى أن الفنان، بما يحمله من تكوين أكاديمي رصين اكتسبه من أكاديمية خاركوف للفنون، قد صاغ هذا العمل عبر حساسية تركيبية تجمع بين صرامة البناء الواقعي ودفء الحس السردي، وهي سمة تميز كثيراً من أعماله التي تمزج بين المشهد الحياتي والرمز الثقافي. إن اختيار "شارع المتنبي" ليس اختياراً مكانياً فحسب، بل هو اختيار دلالي بالغ العمق. فهذا الشارع في المخيال العراقي ليس مجرد فضاء عمراني، بل هو استعارة للثقافة والكتاب واللقاء المدني والذاكرة البغدادية. وحين يضع الفنان المرأة في مركز هذا الفضاء، فإنه ينقل المدينة من كونها كتلة حجرية مضاءة إلى كائن اجتماعي حي، تتجسد روحه في العابرين، وبخاصة في هذه المجموعة النسائية التي تتقدم اللوحة بثقة وهدوء.
تتأسس البنية التكوينية للعمل على محور منظور عميق يمتد من المقدمة إلى عمق الشارع، حيث تتراجع العمارات والأضواء تدريجياً في خط بصري يفتح المجال أمام عين المتلقي كي تسافر داخل المشهد. هذا الامتداد المنظوري لا يؤدي وظيفة تقنية فقط، بل يمنح اللوحة زمنها الداخلي. نحن لا نرى لحظة ثابتة، بل نكاد نشهد استمرارية الحركة، كأن النساء يخرجن من الحاضر نحو ذاكرة أبعد، أو كأن المدينة نفسها تنسحب في الخلف لتفسح المجال أمام حضورهن الإنساني. في المقدمة، تحتل مجموعة النساء مركز الثقل البصري. وقد أحسن الفنان توزيعهن بطريقة تجعل كل شخصية وحدة مستقلة وفي الوقت نفسه جزءاً من نسيج جماعي. المرأة في الجهة اليسرى بثوبها الأبيض وحقيبتها الداكنة تمثل نقطة توازن ضوئي، إذ يشكل البياض هنا بؤرة بصرية تقابل كثافة الظلال في الجهة المقابلة. أما المرأة في الوسط التي تنظر إلى هاتفها، فتمنح المشهد بعداً زمنياً معاصراً، حيث يلتقي إرث شارع المتنبي الثقافي بأدوات العصر الرقمي. هذه المفارقة الدقيقة بين الشارع التاريخي والهاتف المحمول تخلق توتراً جمالياً بين الذاكرة والراهن.
أما على مستوى اللون، فإن اللوحة تعتمد اقتصاداً لونياً ذكياً يقوم على الحوار بين دفء الأصفر والبرتقالي الصادر من المصابيح، وبرودة الأزرق السماوي البعيد في خلفية الشارع. هذا التضاد ليس مجرد حيلة جمالية، بل هو وسيلة نفسية لتوليد الإحساس بالمدينة الليلية بوصفها فضاءً مزدوجاً: حميمياً وآمناً من جهة، وغامضاً ومفتوحاً على المجهول من جهة أخرى. الضوء هنا ليس كاشفاً فقط، بل صانعاً للمعنى. إنه ينساب على الواجهات المعمارية، يلامس الشرفات والأعمدة، ثم يستقر على الوجوه والملابس، فيحول النساء إلى مركز إشعاع معنوي. وتكشف المعالجة الضوئية عن خبرة محمود فهمي عبود الطويلة في التصميم البصري، إذ يبدو الضوء منظماً وفق إيقاع مقصود، لا يخضع للصدفة. المصابيح المعلقة في أعلى الشارع تشكل خيطاً بصرياً أفقياً يربط الكتل المعمارية بعضها ببعض، ويمنح العمل نوعاً من الموسيقى الصامتة. إن هذا التكرار الضوئي يشبه الجملة اللحنية التي تعود بصيغ مختلفة، فيما تمثل الشخصيات البشرية النبض الإيقاعي المتحرك داخل هذه الموسيقى. ومن الناحية السيميائية، تبدو المرأة هنا أكثر من موضوع تشخيصي. إنها علامة على تحول اجتماعي وثقافي. حضورها في شارع المتنبي ليلاً، وهي تمشي مطمئنة ضمن جماعة، يحمل دلالة على استعادة الفضاء المدني لدوره الطبيعي بوصفه مكاناً للتلاقي والتفاعل. إن الفنان لا يرسم نساءً فحسب، بل يرسم فكرة "المدينة الممكنة"، المدينة التي تتسع للجمال والحوار والطمأنينة والمشاركة.
تتجلى في العمل أيضاً نزعة سردية واضحة، وربما يعود ذلك إلى تجربة الفنان الغنية في رسوم كتب الأطفال. فكل شخصية تبدو كأنها تحمل حكايتها الخاصة. المرأة التي تنظر إلى الهاتف تبدو مندمجة في رسالة أو خبر، والأخرى الملتفتة إليها توحي بحوار جانبي، فيما تتجه المرأة ذات المعطف الداكن بنظرة جانبية توحي بالتأمل أو الحماية أو المرافقة. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح اللوحة بعداً قصصياً، وتجعل المتلقي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشرع في تخيل ما قبل اللحظة وما بعدها. إن المعمار في اللوحة ليس خلفية صامتة، بل شريك في صناعة المعنى. الواجهات ذات الأقواس والشرفات والأعمدة تستدعي روح بغداد القديمة، حتى لو كانت الصياغة البصرية تنفتح على حس مديني عربي أوسع. هذا التداخل بين المحلي والكوني ينسجم مع سيرة الفنان نفسه، الذي عاش بين العراق وأوكرانيا والنرويج والإمارات وكندا. لقد تحولت خبراته المكانية المتعددة إلى قدرة على رؤية المدينة بوصفها كياناً إنسانياً يتجاوز الجغرافيا، لكنه يحتفظ بجوهره العراقي.
ومن الملاحظ أن الفنان يرفض الفوضى البصرية رغم كثرة العناصر. فالمارة في الخلفية، وتفاصيل المحال المغلقة، والزخارف، والشرفات، كلها موزعة ضمن نسق هادئ لا يربك العين. هنا تظهر النزعة الأكاديمية التي تعلمها في المدرسة الشرقية الواقعية، حيث يكون الانضباط البنائي شرطاً لحرية التعبير. ومع ذلك، لا تبدو اللوحة جامدة أو مدرسية، لأن الحركة البشرية والضوء الدافئ يضخان فيها حياة مستمرة. يمكن قراءة هذه اللوحة أيضاً من منظور جمالي اجتماعي. فالفنان يلتقط لحظة يومية عادية، لكنه يرفعها إلى مستوى الرمز. النساء هنا لسن نخباً ثقافية ظاهرة بالكتاب أو المقاهي، بل هن جزء من الحياة المدنية اليومية. وهذا في حد ذاته موقف جمالي مهم: الجمال ليس في الحدث الاستثنائي، بل في العادي حين يُرى بعين فنان يمتلك حساسية التقاط المعنى الكامن في التفاصيل. ومن زاوية نقدية حديثة، يمكن مقاربة اللوحة وفق مناهج "جماليات الحياة اليومية"، حيث يصبح الفضاء الحضري مسرحاً لإنتاج المعنى الاجتماعي. المشي الجماعي للنساء، تبادل النظرات، التوزيع الإيقاعي للخطوات، كلها عناصر تجعل من الحركة نفسها بنية تشكيلية. لقد حوّل الفنان السير في الشارع إلى خطاب بصري عن الانتماء، وعن الثقة بالمدينة، وعن الألفة مع المكان. كما يمكن قراءة العمل من منظور نسوي ثقافي، لا بوصفه بياناً أيديولوجياً، بل بوصفه تثبيتاً بصرياً لحضور المرأة في مركز المشهد الحضاري. فالنساء لسن هامشاً في اللوحة، بل هن صلب التكوين، بينما يتراجع الرجال إلى الخلفية بوصفهم جزءاً من النسيج العام. هذه المركزية الأنثوية تمنح العمل طاقة رمزية كبيرة، وتجعل من "سيدات شارع المتنبي" احتفاءً بالمرأة العراقية بوصفها حاملة للذاكرة المدنية.
إن خبرة محمود فهمي عبود الطويلة في التدريس وفي الاشتغال على رسوم الأطفال تبدو حاضرة في شفافية المشهد ووضوحه. فهو لا يلجأ إلى التعقيد التجريدي أو الغموض المفتعل، بل يثق بقدرة المشهد نفسه على إنتاج معناه. هذه الثقة نابعة من رسام خبر العالم بصرياً عبر ثقافات متعددة، وامتلك قدرة نادرة على المزاوجة بين المهارة التقنية والدفء الإنساني. وتكمن قوة اللوحة في أنها لا تصرخ. إنها لا تعتمد المبالغة الدرامية، بل تشتغل على الإيحاء الهادئ. الضوء، المشي، العمارة، الوجوه، التباينات اللونية، كلها عناصر تنسج معاً إحساساً داخلياً بالسكينة. حتى المحال المغلقة لا توحي بالانطفاء، بل تمنح المكان طابعاً انتقالياً بين صخب النهار وتأمل الليل. وإذا ربطنا هذا العمل بسيرة الفنان، الذي تنقل بين بلدان متعددة وشارك في معارض عالمية، أمكننا أن نرى فيه نوعاً من المصالحة بين الذاكرة والمنفى. فالفنان العراقي الذي ولد في بابل عام 1962، ودرس في أوكرانيا، ودرّس في النرويج، وعمل في الشارقة، ثم عاش بين الإمارات وكندا، يعود هنا إلى بغداد لا عبر الحنين المباشر، بل عبر إعادة تخليق مشهدها الاجتماعي في صورة مضيئة. إنه لا يرسم الماضي بوصفه أطلالاً، بل يرسم الحاضر بوصفه استمراراً للروح الثقافية. في المحصلة، تمثل "سيدات شارع المتنبي" عملاً ناضجاً في تجربة محمود فهمي عبود، لأنها تختصر خصائص مشروعه الفني: الأكاديمية المتينة، الحس السردي، الذاكرة العراقية، الجمال المديني، والإنسان بوصفه محور الصورة. إنها لوحة عن النساء، نعم، لكنها أيضاً عن المدينة حين تستعيد وجهها الإنساني، وعن الثقافة حين تنزل من رفوف الكتب إلى خطوات العابرين، وعن الفن حين ينجح في تحويل لحظة عابرة في شارع ليلي إلى وثيقة جمالية عن روح بغداد. لهذا تبدو اللوحة، في معناها الأعمق، احتفاءً بفكرة الحياة نفسها: مدينة تتنفس، نساء يمشين، ضوء يفيض من الشرفات، وذاكرة عراقية لا تزال قادرة على أن تصوغ الجمال رغم كل شيء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية
.. علاقة حالات الطلاق بالتمثيل رئيس أكاديمية الفنون تتحدث عن
.. خدعة السينما المصرية.. هل يمكنك أن تستيقظ لتجد حسابك في الب
.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع