الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 4 / 16الادب والفن
لوحة فيصل لعيبي تنتمي إلى ذلك النمط البصري الذي يُحوِّل اليومي المألوف إلى نصٍّ ثقافي كثيف العلامات، حتى ليغدو السوق الشعبي، بما فيه من بطيخ وموز ووجوه وأقمشة وأوانٍ، عالماً رمزياً قائماً بذاته، لا مجرد مشهد وصفي عابر. ومن هنا فإن المنهج السيميائي يبدو الأقدر على الولوج إلى طبقاتها الدلالية، لأنه لا يتوقف عند ما يُرى، بل يتجاوز المرئي إلى ما ينتجه من معنى، وما يضمره من أنساق ثقافية واجتماعية وتاريخية. تقوم السيميائيات، كما هو معروف، على النظر إلى العمل الفني بوصفه شبكة من الدوال التي تُحيل إلى مدلولات متعددة، لا تُستنفد في قراءة واحدة. واللوحة هنا تفيض بهذه الشبكة منذ النظرة الأولى. فنحن أمام فضاء سوقي تتكدس فيه الفواكه، ولا سيما البطيخ الذي يحتل المساحة الأكبر، حتى يكاد يتحول من موضوع تشكيلي إلى علامة مركزية. إن هذا الحضور الطاغي للبطيخ ليس اعتباطاً، بل هو دالٌّ على الخصب والوفرة والذاكرة الصيفية العراقية، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إنه يرمز إلى اقتصاد العيش البسيط الذي كانت الأسواق الشعبية تمثله في المخيال المديني العراقي.
أول علامة مركزية في اللوحة هي الوفرة. تكرار البطيخ، والموز المعلّق، والعنب، والتفاح، والحمضيات، يخلق نسقاً من الامتلاء البصري. هذا الامتلاء لا يشتغل بوصفه وصفاً للسلعة فقط، بل بوصفه أيقونة للخير الأرضي. ففي السيميائيات البصرية، التكرار ليس مجرد إعادة شكلية، بل هو توكيد دلالي. كل ثمرة هنا تضاعف المعنى الذي تنتجه الثمرة الأخرى، حتى يتكوّن خطاب الوفرة بوصفه رسالة ثقافية عن العراق بوصفه أرضاً خصبة، رغم ما مرّ به من عسر تاريخي. أما الشخصيات الثلاث فتؤدي وظيفة علاماتية لا تقل أهمية عن الأشياء. الجالس إلى اليسار، بملامحه الهادئة وجلسته الواثقة و"النرجيلة" الموضوعة قربه، ليس مجرد بائع أو مستريح في السوق، بل هو دالٌّ على الزمن البطيء، زمن الطمأنينة الذي كانت المدينة العربية التقليدية تعرفه. جلسته المتأنية تقول أكثر مما تقوله ملامحه: إنها علامة على مجتمع لم تبتلعه السرعة الحديثة بعد. النرجيلة هنا علامة ثقافية بامتياز، تشير إلى الطقس الاجتماعي، إلى الثرثرة، إلى فسحة الوقت، إلى الحياة بوصفها معاشاً يومياً لا سباقاً محموماً.
في المركز، يقف الصبي أو الشاب الصغير حاملاً شريحة بطيخ. وهذه من أذكى العلامات في اللوحة، لأن الشخصية هنا تؤدي دور الوسيط السيميائي بين الطبيعة والإنسان. إن حمله للبطيخ وابتسامته المضمرة يفتحان دلالة البراءة، كما يرمزان إلى استمرارية الحياة بين الأجيال. الطفل في السيميائيات غالباً ما يحيل إلى المستقبل، إلى ما لم يتلوث بعد، إلى نقاء الوجود الأول. ووضعه في مركز اللوحة ليس أمراً بريئاً، بل يمنحه وظيفة محور المعنى: المستقبل يولد من قلب السوق، من قلب اليومي، من قلب الخصب. أما المرأة الواقفة إلى اليمين، بسلتها الممتلئة وخمارها الداكن، فهي علامة مركبة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية. إنها لا تمثل فرداً بعينه، بل نموذج المرأة العراقية في الذاكرة الشعبية: الحارسة للاقتصاد المنزلي، السائرة بين السوق والبيت، الحاملة لعبء الاستمرار. السلة هنا ليست مجرد أداة، بل هي دالٌّ على الجمع والرعاية والاكتفاء. والمرأة، بحضورها العمودي المستقيم، تضفي على اللوحة معنى الثبات والوقار، فتبدو كأنها عمود معنوي يوازن في التكوين عمود السوق الحجري في الوسط. وهنا نصل إلى العمود المعماري الذي يتوسط اللوحة. سيميائياً، العمود ليس تفصيلاً زخرفياً، بل علامة على الاستمرارية الحضارية. إنه يربط السوق اليومي بالعمران العربي الإسلامي، ويمنح الفضاء بعداً تاريخياً. وجوده في المنتصف يخلق محوراً بنيوياً يقسم اللوحة إلى حقول دلالية: يسارٌ للسكينة، وسطٌ للحياة المتجددة، يمينٌ للاستقرار الاجتماعي. وبهذا يتحول العمود إلى علامة على النظام، على البنية التي تنتظم تحتها الفوضى الظاهرة للثمار والألوان.
لونياً، تشتغل اللوحة بمنطق سيميائي شديد الذكاء. فالأخضر المهيمن ليس مجرد لون طبيعي للبطيخ والثمار، بل هو دالٌّ على الحياة والاستمرار والرجاء. الأخضر هنا يبتلع مساحات واسعة، فيخلق إحساساً بأن الحياة هي الأصل، وأن كل الشخصيات ليست سوى مقاطع بشرية داخل نسيج الطبيعة. في المقابل، يبرز الأحمر في شريحة البطيخ وفي بعض الثمار بوصفه علامة على النبض الداخلي، على القلب الحي للخصب. هذا التقابل بين الأخضر والأحمر ينتج ثنائية الحياة/الطاقة، السكون/الاندفاع. ومن منظور سيمياء الفضاء، لا تبدو السوق هنا مكاناً فوضوياً كما في الواقع، بل مكاناً مثالياً مُنظَّماً. كل شيء موضوع بعناية، الثمار مكدسة في توازن هندسي، الشخصيات موزعة وفق نسق شبه مسرحي، الأرضية المربعة تضيف إيقاعاً منتظماً. وهذا التنظيم يشي بأن الفنان لا يرسم السوق كما هو، بل كما ينبغي أن يُتذكَّر: فضاءً جمالياً للعيش المشترك. إننا هنا أمام سوق الذاكرة لا سوق الواقع، أمام مدينة مُتخيَّلة تُصاغ وفق الحنين.
ومن أهم ما يكشفه المنهج السيميائي في هذه اللوحة هو العلاقة بين الإنسان والشيء. الأشياء ليست صامتة، بل تنطق عبر ترتيبها. الفاكهة ليست مجرد مادة غذائية، بل خطاب عن الأرض والعمل والمواسم. الأواني الموضوعة في الوسط، والنرجيلة، والسلة، كلها علامات على الاقتصاد المنزلي والثقافة الشعبية. بهذا المعنى، تتحول اللوحة إلى أرشيف بصري للحياة العراقية، حيث يغدو كل تفصيل علامة على أسلوب عيش كامل. ثمة أيضاً بعدٌ أسطوري خفي في اللوحة. فالتكرار الكثيف للثمار، وهدوء الوجوه، والتناظر في التكوين، كلها تجعل السوق أقرب إلى فردوس أرضي. إنها ليست سوقاً للبيع والشراء فقط، بل فضاءٌ للسلام والطمأنينة، عالم لا صخب فيه ولا مساومة، بل توازن بين الإنسان والطبيعة. هذه المثالية هي بحد ذاتها علامة أيديولوجية، إذ يستعيد الفنان عبرها صورة العراق الممكن، أو العراق الذي يسكن الذاكرة الجمعية. في المحصلة، تكشف القراءة السيميائية أن لوحة فيصل لعيبي ليست تمثيلاً لسوق شعبي فحسب، بل نص بصري متعدد الطبقات. الثمار علامات على الخصب، الشخصيات علامات على الأدوار الاجتماعية، العمود علامة على الحضارة، الألوان علامات على الحياة، والتنظيم الهندسي علامة على الذاكرة المثالية. هكذا تتحول اللوحة إلى خطاب ثقافي عن العراق: عراق السوق، البيت، المرأة، الطفل، الأرض، والوفرة. إن قوة هذه اللوحة تكمن في أنها تجعل من المألوف اليومي بنيةً رمزية عالية الكثافة. فكل ما يبدو بسيطاً فيها يحمل معنى أبعد من ظاهره. وهذا هو جوهر المنهج السيميائي: أن يكشف كيف يتحول البطيخ إلى رمز، والمرأة إلى نسق، والسوق إلى نص، والذاكرة إلى صورة. ومن هنا يمكن القول إن فيصل لعيبي ينجح في أن يمنح الحياة الشعبية العراقية لغة بصرية تُقرأ كما يُقرأ الأدب، حيث لا شيء بريئاً، ولا شيء صامتاً، وكل عنصر يقول ما هو أكثر من نفسه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نبيلة عبيد: أحمد زكي بيندمج جدًا.. وحصلت بيننا مشادة في فيلم
.. مصر فين في سوق الإعلانات؟ المخرج شريف منير يكشف ترتيب الإعلا
.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا
.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني
.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية