الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تايوان الصينية والكويت العراقية: تشريح -عقدة الخنق الجغرافي- واستراتيجية الاسترداد الناعم

علي فاضل الزيرجاوي
محلل سياسي

(Ali Fadil Al-zirjawi)

2026 / 4 / 16
السياسة والعلاقات الدولية


في عالم السياسة الواقعية ، لا تتحرك الدول بدافع الكراهية أو الحب، بل بدافع "عقدة الجغرافيا". عندما تنظر الصين إلى خريطة تايوان، فهي لا ترى مجرد جزيرة متمردة، بل ترى "سلسلة الجزر الأولى" التي تخنق أسطولها وتمنعه من الوصول للمياه العميقة في المحيط الهادئ. وإذا طبقنا نفس المشرط الجيوسياسي على خريطة الشرق الأوسط، سنجد أن العقل الاستراتيجي العراقي ينظر إلى الكويت بالمنظار ذاته؛ فالكويت تمثل "السدادة الجغرافية" التي صُممت خصيصاً لخنق عملاق بلاد الرافدين وحرمانه من التنفس البحري. من هذا المنطلق، تمثل عودة الكويت ضرورة جيوسياسية للعراق، وهو أمر حتمي يجب أن يتحقق على المدى الطويل، ولكن وفقاً لقواعد "لعبة الأمم" الماكرة، لا عواطفها المنفلتة.
الهندسة الكولونيالية وكماشة الجزر
لم تكن هذه الجغرافيا الخانقة نتاجاً لتطور طبيعي، بل هي هندسة كولونيالية بريطانية متعمدة. أدركت الإمبراطورية البريطانية مبكراً أن العراق يمتلك كل مقومات الإمبراطورية الإقليمية من مياه وزراعة وعمق ديموغرافي ونفط. ولمنع هذا المارد من التحول إلى قوة بحرية تهدد النفوذ البريطاني، تم فصل قضاء الكويت وتأسيسه ككيان عازل لسجن العراق برياً وتقليص إطلالته البحرية إلى شريط ضيق لا يتجاوز 58 كيلومتراً تحيط به المستنقعات. وتتعمق المشكلة في التموضع الجغرافي لجزيرتي وربة وبوبيان، اللتين تجلسان كـ "كماشة" على القناة الملاحية الوحيدة للعراق في خور عبد الله. إن من يسيطر على هذه الجزر يتحكم بعنق العراق الاقتصادي، وهو ما يفسر الصراع المينائي غير المعلن اليوم؛ فبناء "ميناء مبارك الكبير" ليس مشروعاً تنموياً، بل محاولة لإغلاق آخر رئة يتنفس منها "ميناء الفاو الكبير" في لعبة صفرية تفرضها قسوة الجغرافيا.
خطيئة 1990 وفخ الشرعية الدولية
لقد أدرك النظام العراقي السابق هذه العقدة، لكنه سقط في خطيئة استخدام "القوة الغبية" لفرض الأمر الواقع في عام 1990. الكارثة لم تقتصر على الدخول العسكري بحد ذاته، بل في العقيدة التي رافقته، حيث دخلت القوات كمحتلين دمروا ونهبوا، مع افتقار تام لأي غطاء أو دعم دولي مسبق. وبدلاً من تطمين المحيط الإقليمي بأن التحرك يقتصر على حل عقدة جغرافية، خلق النظام حالة من الرعب وتجاوز الحدود ليهدد الأراضي السعودية، محولاً العراق إلى تهديد مباشر استنفر العالم لتدمير بنيته التحتية. والأخطر من تدمير الجسور والدبابات، كان تدمير الموقف القانوني العراقي. فقبل ذلك التاريخ، كانت مسألة الحدود معلقة وقابلة للتفاوض، لكن التهور العسكري منح مجلس الأمن المبرر لإصدار القرار 833 الذي رسم الحدود دولياً وفرضها بالقوة تحت الفصل السابع، لتتحول خطوة فك الاختناق إلى علاج انتحاري أدى لوفاة المريض.
الكمون الاستراتيجي وبناء الداخل
في مواجهة هذا الواقع القانوني والجغرافي المعقد، يدرك العقل الواقعي أن اختراق القرارات الدولية وإلغاءها لا يتم بالصراخ المحلي ولا بافتعال حروب جديدة، بل يرتكز على عقيدة "الكمون الاستراتيجي". إن إصلاح هذا الخلل هو "مشروع أجيال" يحتاج لعقود، لأن الدولة التي تمتلك مؤسسات منخورة من الداخل واقتصاداً ريعياً هشاً لا يمكنها فرض شروطها على الخرائط. تتطلب هذه المرحلة الانكفاء التام نحو الداخل، وإعادة هيكلة مفهوم الدولة، واقتلاع الفساد، وبناء اقتصاد متين وجيش احترافي. وفي الوقت ذاته، يجب أن تظل الذاكرة الجيوسياسية حية؛ فالتركيز على الداخل لا يعني النسيان، بل يعني بناء القوة بهدوء والعمل بصمت، والاحتفاظ بالملفات الجغرافية في الذاكرة المؤسسية بانتظار اللحظة التاريخية المواتية.
اختراق النظام العالمي والابتلاع الناعم
لتحقيق هذا الاسترداد، يجب التحرك لاختراق "نادي الأقوياء" في مجلس الأمن من خلال شراء الفيتو عبر سياسة "الاعتماد المتبادل". يتحقق ذلك بتحويل العراق من عبء أمني إلى ضرورة اقتصادية للدول العظمى، عبر ربط أمنها القومي واقتصادها بالاستقرار العراقي. عندما تستثمر الصين مئات المليارات في "طريق التنمية"، وتدير شركات كبرى أمريكية وأوروبية موانئ ومصادر طاقة عراقية، فإن أي محاولة لخنق العراق بحرياً ستتحول إلى تهديد مباشر لمصالح تلك الدول، مما يدفعها لاستخدام نفوذها لتعديل القرارات الدولية لصالح بغداد. ويترافق هذا الاختراق الاقتصادي مع تسليح "القوة الناعمة"، حيث يجب استعادة مركزية العراق الثقافية والأكاديمية لجعل المساس به فضيحة دولية، مما يسقط الحواجز النفسية ويسهل عمليات الابتلاع الثقافي والاقتصادي للحدود المجاورة.
التذويب التدريجي للحدود
هذه الشبكة المعقدة من المصالح تقودنا إلى مرحلة "التذويب التدريجي" للحدود لجعلها بلا معنى على أرض الواقع قبل تعديلها قانونياً. مع تعافي العراق وتحوله إلى نمر اقتصادي، سيتمكن من طرح مبادرات تكامل قسري والسماح لرؤوس الأموال المجاورة بالاستثمار الكثيف في جنوبه، مما يخلق لوبيات داخل تلك الدول مرتبطة مصلحياً ببغداد. ومع مرور الزمن، تتطور الأمور لطرح أفكار مثل الإدارة المشتركة للممرات المائية لتسهيل التجارة. وفي أي تسوية إقليمية كبرى مقبلة، وبدعم من حلفائنا الجدد في مجلس الأمن، سيطرح العراق تعديلاً قانونياً يمر بسلاسة كتحصيل حاصل لواقع فُرض مسبقاً بذكاء العقول.

إن حل المشاكل الداخلية هو الأولوية المطلقة، لكنه أبداً ليس مبرراً للتنازل عن الجغرافيا. هذا هو الفرق الجوهري بين انتحار المتهورين الذي دمرنا في الماضي، وبين صبر العقول الباردة التي تبني الدول العظمى وتنتظر لحظتها. السيادة والاستقلالية لا تُسترد بأصوات المدافع العمياء، بل تُسترد عندما تصبح الدولة قوية، غنية، ومتشابكة المصالح لدرجة تجعل المجتمع الدولي بأسره يقر بحقها الطبيعي في التنفس والتمدد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يهدد بضرب منشآت مدنية في إيران.. هل تبدأ مرحلة التصعيد


.. محاولة فهم | جامعة الدول العربية.. بين وحدة الموقف وتباين ال




.. بعد 8 عقود.. لماذا لم تصبح جامعة الدول العربية اتحادا بصلاحي


.. تونس والجزائر تواجهان موجة حرائق واسعة وعمليات الإخماد مستمر




.. رئيس لبنان يحسم أمر السلاح: لا آمان إلا بجيش واحد