الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عن الطوفان واشياء أخرى (62)
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
2026 / 4 / 16
القضية الفلسطينية
-الثورة العربية الكبرى في فلسطين
مثل هذا اليوم قبل تسعين عاماً (15 نيسان 1936) اندلعت الثورة العربية الكبرى في فلسطين التي كانت على موعد مع لحظة انكشاف تاريخي. وما انفكت هذه الثورة تستدرجنا إلى لحظتها الخالدة تلك. فلم تكن حادثة إطلاق النار قرب عنبتا سوى تعبير مكثّف عن مسار أعمق: مشروع استعماري يتقدّم بثبات فيدفع المجتمع المحلي إلى حافة التاريخ-إم لم نقل الهاوية- بسياسة تفقد معناها مع كل محاولة تفاوض لا تغيّر شيئاً في الواقع.
حين اندلعت الثورة بعد أيام، في 20 نيسان، لم تكن انفجاراً عفوياً بقدر ما كانت النتيجة المنطقية لتراكم طويل. فقد كان الإضراب العام الذي شلّ البلاد إعلاناً صريحاً بأن المجتمع قرر سحب اعترافه بالنظام القائم. التاجر الذي أغلق متجره، والعامل الذي خسر أجره، والفلاح الذي ترك موسمه، جميعهم دخلوا في تجربة جماعية تقول شيئاً واحداً: لا يمكن التعايش مع واقع يُعاد تشكيله على حسابهم.
لقد تحولت سنوات 1936–1939 إلى مختبر عملي لفهم المجتمع الفلسطيني بما يتضمن من خرائط النفوذ العائلي و نقاط ضعف الريف الفلسطيني و طبيعة الاتصال بين المدن والقرى وحدود التنظيم غير المركزي... وما إلى ذلك. فهي لم تكن موجّهة ضد طرف واحد. هي مواجهة مع بنية كاملة تتمثل في إدارة استعمارية ومشروع استيطاني ونخبة محلية عاجزة أو منقسمة. لذلك بدت مختلفة عمّا سبقها. ولعل تجربة عز الدين القسام تكشف مجمل هذه التحولات بوضوح وأثره الحاسم في نقل الصراع إلى ساحة الفعل. ومع انتقالها إلى الريف، تغيّر شكلها وتتحول إلى اشتباك مفتوح. عبر استراتيجية الاستنزاف الدائم، لمحاولة لفرض واقع ميداني موازٍ.
القمع البريطاني جاء على مستوى هذا التحدي. هدم، إعدامات، عقوبات جماعية. لم يكن الهدف فقط إنهاء التمرد، بل إعادة تشكيل المجتمع عبر الخوف. ومع ذلك، كلما اشتد القمع، ازداد الانخراط. كأن العنف لم يُخضع الناس، بل كشف لهم طبيعة النظام الذي يواجهونه.
تحولت هذه المراكمة المعرفية، لاحقاً، إلى أدوات عمل أعادت هندسة السيطرة على الأرض والسكان. ومع اقتراب العام 1948، ظهرت آثار هذا الفهم في دقة التحرك العسكري الصهيوني، وفي القدرة على استغلال التفكك الاجتماعي والسياسي الذي تركته سنوات الثورة والقمع. لقد أسهمت هزيمة الثورة، بطريقة أو بأخرى؛ مباشرة او غير مباشرة، في تشكيل شروط المعركة التالية.
ففي الفراغ الذي خلّفه إنهاك الثورة، كانت الحركة الصهيونية تعيد ترتيب نفسها بهدوء وفعالية. من حيث تطوير البنية العسكرية، والتدريب والتنظيم، والاستفادة من التعاون المباشر مع البريطانيين، سواء في التسليح أو في الخبرة الميدانية. لقد تحولت المستوطنات إلى حصون ونقاط مراقبة مرتبطة بشبكة دفاعية، وقادرة على الصمود والهجوم. في الوقت ذاته، مع الاستمرار في بناء مؤسسات اقتصادية وإدارية موازية، لتصبح دولة تتشكل داخل دولة.
في المقابل، لم يكن بمقدور الثورة الاستمرار بذات الزخم (وهي معضلة جميع الثورات على كل حال). لقد توقفت، أو تآكلت تدريجياً، نتيجة تداخل عدة عوامل من بينها العامل الذاتي المتمثل في الانقسام الداخلي، حيث تحولت بعض الصراعات إلى تصفية حسابات محلية أضعفت الجبهة من داخلها. واستنزاف المجتمع الذي كان يعيش إضراباً طويلاً ثم حرب استنزاف مفتوحة، دون موارد مستقرة أو قيادة موحدة قادرة على إدارة هذا الامتداد. والأهم من ذلك الضربة البريطانية المركّزة بين 1937 و1939، حين أعادت بريطانيا تنظيم أدوات القمع بشكل أكثر فاعلية، ففككت البنية القيادية، واعتقلت أو أعدمت الكوادر، وقطعت الصلة بين المدن والريف. وأتت الطامة الكبرى من التدخل العربي الرسمي الذي دفع نحو إنهاء الإضراب على أمل تسوية سياسية، فتسبب بخلق فجوة بين الفعل الشعبي والحسابات الإقليمية.
لا يمكن فهم توقف الثورة أو تآكلها خارج توازن القوى الذي أحاط بها، لكن الأهم من ذلك أنها لم تكن معزولة عن سياق عالمي أوسع لحركات التحرر المناهضة للاستعمار. فهي تقع زمنياً داخل الموجة الثانية من هذه الحركات بين 1920 و1945، حين بدأت تتشكل ملامح الوعي الوطني الحديث في مستعمرات آسيا وأفريقيا، مع استخدام أدوات مثل الإضراب العام، العصيان المدني، وبدايات التنظيم السياسي المركزي.
في هذا السياق، جاءت الثورة الفلسطينية كحالة متقدمة نسبياً، لأنها تجاوزت حدود الاحتجاج السياسي إلى الكفاح المسلح، لكنها في لم تكن، في ذات الوقت، قد اكتملت كنموذج حرب تحرير طويلة كما سيتبلور لاحقاً في الجزائر أو فيتنام بعد الحرب العالمية الثانية. خصوصيتها أنها وقفت على عتبة انتقالية بين الثورة كضغط سياسي وبين الثورة كنمط حرب شاملة، وهو موقع يفسّر هشاشتها البنيوية من جهة، وعمق أثرها التاريخي من جهة أخرى، لأنها كشفت مبكراً أن الصراع مع الاستعمار في فلسطين لا يُختزل في مسار إصلاحي، وإنما عليه التوجه نحو مواجهة طويلة مع بنية استعمارية استيطانية متعددة المستويات.
تبقى ثورة 1936 لحظة مفصلية، لأنها أعادت تعريف طبيعة الصراع نفسه. فانتقل السؤال عن تحسين شروط التعايش داخل واقع قائم، إلى كيفية مواجهة مشروع يعيد إنتاج الواقع ذاته. ومن تلك اللحظة، دخلت فلسطين زمناً مختلفاً، ما زالت ارتداداته تعمل حتى اليوم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس تحرير صحيفة الوفاق الإيرانية: مقر خاتم الأنبياء يقود إد
.. إلى أي مدى يعكس التدرج العسكري الأمريكي استعدادا لتوسيع العم
.. ضربات نوعية تضرب العمق الإيراني.. انفجارات تهز خمس مدن
.. -نحس- ليونيل ميسي.. طقوس غريبة تمنع رئيس الأرجنتين من السفر!
.. بعد اتهامات ترمب للصين.. واشنطن تطلب مراجعة قوائم الناخبين