الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 4 / 16
قضايا ثقافية


أما بعدُ، أصلحك الله يا هذا، وأدام على أهل القلم أنوار البصيرة، فإنَّ من أعجب ما يُتأمَّل في أخبار الرجال أنَّ بعضهم يُولد في موضعٍ صغيرٍ من الأرض، ثم لا يلبث أن يتَّسع في المعنى حتى يغدو وطنُه اللغة، وديارُه الصحف، وقرابتُه الحروف، فلا يعود يُنسب إلى ناحيةٍ بعينها إلا كما يُنسب النهر إلى منبعه الأول، لا إلى مجراه الذي عمَّ البلاد وسقى العباد. ومن هذا الضرب رجلٌ وُلد في ناحية "طق طق" سنة سبعٍ وأربعين وتسعمائةٍ وألف، وهي بلدةٌ وادعةٌ من نواحي كويسنجق بأربيل، قد اصطلحت فيها الطبيعة مع التاريخ، وتصالح فيها الجبل مع الذاكرة، فكأنها مهدٌ صاغته الأرض ليخرج منه من يُحسن الإصغاء إلى همس الأمكنة قبل ضجيج المدن. ولم يكد يبلغ الرابعة من عمره حتى تقلَّبت به الأقدار تقلب الرياح أوراق الخريف، فانتقل من تلك الناحية إلى قرية "بارا" الإيزيدية في قضاء سنجار، ثم منها إلى الموصل، ثم إلى ألقوش التي إليها ينتمي قلبًا وذاكرةً وميراثًا. وفي هذا الترحال المبكر، يا هداك الباري، سرٌّ من أسرار التكوين لا يلتفت إليه إلا ذوو الفطنة، فإن الطفل إذا تنقَّل بين اللغات والأمكنة قبل أن يشتدَّ عوده، تعلَّم أن العالم أوسع من لسانٍ واحد، وأن الحقيقة لا تُؤخذ من نافذةٍ مفردة. خرج وهو لا يُحسن غير الكردية، ثم انفتح له باب العربية في ألقوش، فانثال عليه نور الضاد انثيال الغيث على أرضٍ عطشى، فأخذ منها بأوفر نصيب، وأتقنها إتقان من عرف أن اللغة ليست أداة قولٍ فحسب، بل صناعةُ روحٍ ومِلكةُ نظر. وما لبث أن استلذَّ قراءة النصوص الخلدونية، يا هذا، حتى صار يُقلب عباراتها لا بعين القارئ وحده، بل بعين من يطلب من الكلام فلسفة العمران، ومن التاريخ سنن الاجتماع، ومن العبارة محكمة الفكر. فكان ابن خلدون عنده، فيما نرى، بابًا إلى فهم الحياة لا مجرد صاحب مقدمة، ومعلِّمًا لفقه التحوُّل لا مجرد مؤرخ، ومن هنا نشأ في نفسه ذلك الميل إلى أن يرى الأحداث لا أخبارًا متجاورة، بل حلقاتٍ في سلسلة العلل والنتائج.
ثم مضى به السعي حتى دخل كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد، فتخرَّج سنة سبعٍ وستين وتسعمائةٍ وألف، حاملاً شهادةً أكاديميةً تُحسب في عداد الإنجاز، ولكنها لم تكن عنده نهاية الطلب، بل كانت، أصلحك الله، جسرًا إلى شغفه الأصيل: عالم الصحافة. وكثيرٌ من الناس يقفون عند حدود الشهادة وقوف الظمآن عند صورة الماء، أما هو فقد جعلها سلَّمًا يصعد به إلى حيث الكلمة مسؤولة، والخبر أمانة، والرأي موقف. فآمن، يا هذا، بأن الصحافة ليست مهنةً من مهن المعاش فحسب، ولكنها رسالةٌ من رسائل الوعي، ومسؤوليةٌ من مسؤوليات الزمن، وأن القلم قد يكون، إذا استقام في يد صاحبه، أشدَّ مضاءً من السيف، وأبقى أثرًا من السلطان. وما أحوج الأوطان التي تتقاذفها العواصف إلى رجالٍ من هذا الصنف، يضيئون للناس دروب الحقيقة، ويكشفون من وراء الحوادث ما استتر، ويجعلون من الخبر مرآةً لضمير الأمة. وقد بدأت رحلته، يرحمك الله، في منتصف الستينيات، وهو ما يزال طالبًا في الجامعة، وذلك أدلُّ دليلٍ على أن الموهبة إذا صدق أصلها لم تنتظر إذنًا من شهادةٍ ولا ختمًا من مؤسسة. ابتدأ مع جريدة "كل شيء" الأسبوعية لعبد المنعم الجاذر، وهناك تعلَّم أول ما يتعلَّمه الكاتب من صنعة الصحافة: أن الخبر لا يقوم على النقل وحده، بل على حسن التقدير، وأن العبارة لا تُحمد لكثرتها، بل بدقة موضعها. ثم اتصلت مسيرته بجريدة "الأمل" الأسبوعية التي كان يتولَّاها كاظم الطبطائي، فازدادت تجربته رسوخًا، واتسعت رؤيته لمعنى الصحافة بوصفها صلةً بين الناس وأحوالهم. ومن "الأمل" انتقل إلى "صوت العرب" اليومية بإدارة فوزي عبد الواحد، وهناك خالط اليوميَّ المتسارع، وجرَّب إيقاع الصحيفة التي تولد مع الفجر وتدخل مع الناس بيوتهم قبل أن يفرغوا من قهوتهم.
ثم ترسَّخ حضوره في "المواطن" اليومية برئاسة تحرير عبد الله الملاح، وكأن القلم في كل محطةٍ كان يزداد صقلًا كما يزداد السيف جلاءً بكثرة الجلاد. ومن هناك مضى إلى "المنار" الأسبوعية، حيث تأثر بأسلوب الصحفي عبد الله الخياط، وكان لهذا التأثر، فيما يُستبان من مسيرته، أثرٌ بالغٌ في بناء نبرته الخاصة، إذ لا ينهض كاتبٌ كبير إلا إذا مرَّ أولًا بمرحلة الإصغاء إلى كبار الصنعة. ويمتد إشعاعه بعد ذلك إلى "النور" اليومية، وهي محطةٌ لا يُستهان بها، لأن الصحفي فيها لا يكتب للحدث وحده، بل يكتب لزمنٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ متحوِّل، تتنازع فيه الرؤى، وتشتبك فيه الأصوات. وقد حظي خلال عمله فيها بزمالةٍ صحفيةٍ في ألمانيا الشرقية، وكانت تلك التجربة، يا هذا، من المنعطفات التي تصنع الكاتب العالمي في رؤيته، وإن ظلَّ محليًّا في وفائه. فإن السفر مدرسةُ المقارنة، والاحتكاك بمدارس الإعلام الأخرى يفتح للصحفي من أبواب الحرفة ما لا تفتحه الكتب. ولقد تركت تلك الزمالة بصماتها على تجربته ونتاجاته، إذ عاد منها لا محمَّلًا بالمشاهد وحدها، بل بأدواتٍ جديدةٍ في النظر، وبقدرةٍ أعلى على فهم وظيفة الصحافة في المجتمعات الحديثة، من حيث هي صناعة رأيٍ عام، وأداة مساءلة، ووسيلة حفظٍ للذاكرة الوطنية. ثم انتقل إلى "الراصد" الأسبوعية لمصطفى الفكيكي، فكان كمن يضيف إلى رصيده لونًا آخر من ألوان الكتابة، قبل أن يضيء صفحات مجلة الإذاعة والتلفزيون، وهناك اتسعت صلته بالإعلام الثقافي والفني، فصار أكثر إحساسًا بالصورة المرافقة للكلمة، وبالإيقاع الذي يجمع بين الخبر والمشهد، وبين النص والصوت.
ثم استقرَّ به المقام أخيرًا في صحيفة "الثورة" سنة سبعين وتسعمائةٍ وألف، فكانت هذه المحطة خاتمةَ استقرارٍ لا خاتمةَ عطاء. أمضى فيها عشرين عامًا متصلة، وهي مدةٌ لا تُقاس بالسنين وحدها، بل بما يتراكم فيها من خبرة، وما يترسَّخ من أثر، وما يتكوَّن من أجيالٍ تتلمذت على حضوره، تصريحًا أو إيحاءً. وفي هذه السنوات الطوال، يا أصلحك الله، جمع بين الخبرة والرسالة، ولم يجعل من الصحافة مجرد صناعة يومية تستهلكها الساعات، بل جعلها عهدًا بينه وبين الكلمة. فخدم الإعلام كما يخدم المؤمن عقيدته، وأخلص للصحافة كما يخلص الناسك لخلوته، حتى غدت حياته، في جوهرها، سيرة رجلٍ آمن أن الحرف مسؤولية، وأن الصمت عن الحقيقة خيانة. وإذا أردنا أن ننظر في سيرته نظر المتأمل، وجدنا أن أعظم ما فيها ليس تنقله بين الصحف، ولا طول المدة التي قضاها في "الثورة"، بل تلك القدرة العجيبة على تحويل الترحال الشخصي إلى ثباتٍ معنوي. فقد تنقَّل بين طق طق وبارا والموصل وألقوش وبغداد، وتنقَّل بين "كل شيء" و"الأمل" و"صوت العرب" و"المواطن" و"المنار" و"النور" و"الراصد" ومجلة الإذاعة والتلفزيون و"الثورة"، ولكن خيطًا واحدًا ظلَّ ناظمًا لكل ذلك: الإيمان بأن الكلمة إذا صدقت صارت وطنًا.
يا هذا، إن الرجال يُعرفون بثلاث: بمن أين خرجوا، وإلى أي معنى انتهوا، وماذا تركوا بعدهم من أثر. فأما هذا الرجل فقد خرج من أطراف الجغرافيا إلى مركز الثقافة، وانتهى من دراسة الاقتصاد إلى مملكة الصحافة، وترك من أثره مثال الكاتب الذي صنع نفسه بالجد، وصقلها بالتجربة، ورفعها بالمعرفة. ولعل أجمل ما في سيرته أنه لم يكن أسير لغة الميلاد، بل صار سيد لغة الاكتساب، ولم يكن ابن مكانٍ واحد، بل ابن أمكنةٍ صهرت روحه، ولم يكن موظفًا في الصحافة، بل كان، بحق، من أهل صناعتها الذين لو خاطبهم عبد الحميد الكاتب لعدَّه في جملتهم، لما اجتمع فيه من الصبر على الحرفة، وحسن المداراة، ودقة العبارة، ومعرفة مواضع القول. فسلامٌ على ذلك القلم الذي خرج من طفولةٍ كردية اللسان، ثم استوى على عرش العربية بيانًا، وسلامٌ على تلك الرحلة التي ابتدأت من قريةٍ صغيرة وانتهت إلى ذاكرة الصحافة العراقية، وسلامٌ على كل من جعل من الكلمة قدرًا، ومن الحقيقة رسالةً، ومن العمر سِجلًّا لا يكتبه إلا المخلصون. والحمد لله أولًا وآخرًا، وهو وليُّ الفضل، وهادي أهل البيان إلى سواء السبيل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السلاح الكيميائي في السودان.. من يحاسب قيادة الجيش؟


.. نقاش الساعة | حرب الناقلات تعيد ترتيب أوراق القوة بين أمريكا




.. عبر الخريطة التفاعلية.. الحرس الثوري يعلن استهداف 3 ناقلات ن


.. الجزيرة ترصد تكدسا لسفن في هرمز بمحاذاة سواحل إيران




.. قابل للجدل | عبد الله الخربيط: العراق يموت ببطء.. والحرب الك