الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
جعفر حيدر
2026 / 4 / 16مواضيع وابحاث سياسية
بقلم / جعفر حيدر
في العراق لا تموت الأحداث بشكل فردي، بل تتساقط كأنها أجزاء من مشهد أكبر لم يُعلن بعد، فبين حادثة استهداف العقيد نبراس فرمان شعبان عام 2021، حين أُطلق الرصاص عليه في شارع مزدحم شرق بغداد في عملية أقرب إلى رسالة ميدانية مباشرة تُنفذ على عجل لكنها تحمل دقة اختيار الهدف، وبين حادثة 2026 حين سقطت طائرة مسيّرة على محيط مقر جهاز المخابرات الوطني في قلب العاصمة وأدت إلى مقتل ضابط، تتبدل أدوات التنفيذ بينما يبقى المعنى واحدًا: هناك من يريد أن يقول “نستطيع الوصول”.
الفرق بين الحادثتين ليس في النتيجة، بل في اللغة. الأولى لغة شارع تُكتب بالرصاص وتُنفذ على مستوى فردي يوحي بقرب المنفذين من الأرض والهدف، أما الثانية فهي لغة تقنية أعلى، تُدار من مسافة أبعد، وتُرسل كرسالة مفتوحة لا تستهدف شخصًا بقدر ما تختبر حدود الدولة نفسها، وقدرتها على حماية أكثر نقاطها حساسية.
وفي العمق، لا تبدو هذه التحولات مجرد تطور طبيعي في أدوات العنف، بل انعكاسًا لصراع أكثر تعقيدًا تتداخل فيه أجهزة استخبارية، وشبكات نفوذ، وقوى غير رسمية تعمل في الظل، حيث لم يعد الاستهداف يمر عبر بوابة “الاغتيال” فقط، بل عبر بوابة “الإشارة”، أي أن الحدث لم يعد هدفه إنهاء شخص، بل رسم حدود ردع جديدة.
الخطير في هذا المسار أن جهاز المخابرات، الذي يفترض أنه عين الدولة التي ترى ما لا يُرى، بات جزءًا من معادلة الرؤية المضادة، حيث تتقاطع مصالح أطراف متعددة داخل الإقليم وخارجه، بعضها يتحرك عبر أدوات رسمية، وبعضها الآخر عبر أذرع غير معلنة تعمل في المساحة الرمادية بين السياسة والأمن، وهي مساحة لا تُعلن فيها المسؤوليات بقدر ما تُختبر فيها الرسائل.
الخطاب الرسمي غالبًا ما يختصر المشهد بعبارة “جهات خارجة عن القانون”، لكن هذه العبارة نفسها أصبحت جزءًا من الغموض، لأنها لا تُعرّف بقدر ما تُغلق الباب على التعريف، وتترك المجال مفتوحًا أمام تأويلات متعددة، في بيئة أصلاً قائمة على تداخل النفوذ وتعدد مراكز القوة.
وبين 2021 و2026 لا يبدو أننا أمام حادثتين منفصلتين بقدر ما نحن أمام تطور في “اقتصاد الرسائل الأمنية”: من رصاصة تُطلق في شارع جانبي إلى طائرة مسيّرة تختبر عمق العاصمة، ومن استهداف فرد إلى اختبار منظومة، ومن فعل صامت إلى رسالة معلنة بأن ساحة الاشتباك لم تعد محصورة بجغرافيا القتال التقليدي.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي لا يُقال بصوت عالٍ: هل ما يحدث مجرد حوادث أمنية متفرقة، أم أن ما نراه هو إعادة تشكيل تدريجية لقواعد الاشتباك، حيث تُكتب السياسة بلغة أمنية، وتُرسم الحدود بوسائل لا تُعلن أسماء من يقف خلفها؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصعيد أمريكي إيراني جديد.. هل عادت المواجهة العسكرية؟
.. مواقف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الإنسانية وال
.. واشنطن تعلن انتهاء موجة الضربات ضد عشرات الأهداف العسكرية في
.. الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة أحمد الجابر بالكويت
.. الدكتور لقاء مكي: الأمير الوالد رسخ نهجا جعل قطر صوتا للمظلو