الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جدلية التجميد والردع النووي

حسين علي محمود

2026 / 4 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


إن المسافة بين خمس سنوات وعشرين سنة في ملف التخصيب الإيراني ليست مجرد رقم تقني، بل هي فجوة سياسية واستراتيجية تختصر فيها احتمالات الاستقرار أو الانفجار.
في قلب هذه الفجوة تدور المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حيث يطرح كل طرف تصوراً مختلفاً لمعنى التجميد ولمستقبل القوة في الشرق الأوسط.
ولفهم عمق الخلاف يجب علينا أولاً تبسيط الصورة النووية. اليورانيوم في طبيعته يحتوي على نسبة ضئيلة جداً من النظير القابل للانشطار لا تتجاوز 0.7% هذه النسبة لا تكفي لاستخدام عسكري، بل بالكاد تصلح للاستخدام العلمي.
عندما يرفع مستوى التخصيب إلى 20% يصبح بالإمكان استخدامه في تشغيل بعض المفاعلات، أما عند 90% فنحن أمام مادة يمكن تحويلها إلى سلاح نووي.
الخطير في الوضع الحالي أن إيران وصلت إلى نسبة 60% وهي منطقة رمادية بين الاستخدام المدني والعسكري لكنها تقنياً أقرب بكثير إلى السلاح من المفاعل.
هنا تظهر أهمية الكمية والحديث عن مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بهذا المستوى ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو ما يجعل القلق الدولي حقيقياً.
هذه الكمية نظرياً يمكن تحويلها خلال فترة قصيرة نسبياً إلى مواد كافية لإنتاج عدة رؤوس نووية خاصة إذا تم رفع التخصيب من 60% إلى 90% وهي خطوة أسرع بكثير من المراحل السابقة.
وهذا ما يفسر لماذا تنظر المسألة على أنها مسألة وقت أكثر من كونها مسألة قدرة لكن التفاوض لا يدور فقط حول التقنية، بل حول الزمن.
كما ان عرض إيران بتجميد التخصيب لخمس سنوات يعكس منطقاً واضحا وهو الحفاظ على القدرة مع تأجيل استخدامها أي بمعنى آخر هو تجميد تكتيكي لا يمس البنية الأساسية للبرنامج.
بعد خمس سنوات يمكن استئناف النشاط بسرعة لأن العلماء موجودون والمنشآت قائمة والخبرة متراكمة في هذه الحالة لا يتم حل المشكلة، بل تأجيلها.
في المقابل تطالب الولايات المتحدة بتجميد يمتد لعشرين عاماً وهو طرح مختلف جذرياً، هنا لا يتعلق الأمر فقط بتعليق النشاط، بل بإحداث قطيعة زمنية طويلة قد تؤدي إلى تآكل البرنامج نفسه.
خلال عقدين قد يتغير الجيل العلمي وتتبدل الأولويات السياسية وربما يظهر واقع داخلي أو إقليمي جديد يجعل المشروع النووي أقل إلحاحاً أو حتى غير ضروري.
وهنا يكمن جوهر الصراع هل الهدف هو إدارة الأزمة أم إنهاؤها؟! التجميد القصير يدير الأزمة بينما التجميد الطويل يحاول تفكيكها تدريجياً.
غير أن هذه الحسابات لا تجري في فراغ، فهناك لاعب ثالث حاضر بقوة هو إسرائيل التي ترى في أي اقتراب إيراني من العتبة النووية تهديداً وجودياً.
من هذا المنطلق لا يهم كثيراً إن كان التجميد لخمس سنوات أو لعشرين طالما أن النتيجة النهائية قد تكون امتلاك سلاح نووي.
لهذا تميل المقاربة الإسرائيلية إلى منع الوصول إلى هذه المرحلة بأي وسيلة بما في ذلك العمل العسكري إذا لزم الأمر.
تدرك الولايات المتحدة من جهة أخرى أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تكون محدودة، بل قد تمتد إلى الإقليم بأكمله عبر شبكات النفوذ والتحالفات.
لذلك، فإن خيار الاتفاق حتى إن كان ناقصاً يبقى أقل كلفة من الحرب لكنه في الوقت نفسه يحمل خطر تأجيل المشكلة بدل حلها.
أما إيران فهي تنظر إلى البرنامج النووي ليس فقط كأداة عسكرية محتملة، بل كورقة قوة سياسية واستراتيجية. القدرة على الوصول إلى السلاح حتى دون امتلاكه فعلياً توفر نوعاً من الردع وتمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة الضغوط الدولية.
إذن، لا يتعلق الأمر بعدد السنوات بقدر ما يتعلق بما تمثله هذه السنوات.
خمس سنوات تعني بقاء كل شيء كما هو مع تأجيل الانفجار أما عشرون سنة تعني محاولة تغيير قواعد اللعبة بالكامل. وبين هذين الخيارين يقف العالم أمام معادلة صعبة إما اتفاق لا يطمئن بالكامل أو مواجهة قد تخرج عن السيطرة.
لهذا، فإن العبارة القائلة إن "بين الرقمين يكمن اتفاق أو حرب" ليست مبالغة، بل توصيف دقيق لحالة توازن هش حيث الزمن نفسه أصبح سلاحاً لا يقل خطورة عن اليورانيوم المخصب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يتحول الذكاء الاصطناعي لمواجهة بين رجال الأعمال والحكومات


.. رحلة أب إلى موقع مقتل نجله في الضفة الغربية تنتهي بكمين للمس




.. سياق الحدث | طهران تتمسك بإغلاق هرمز وترمب يعيد الحصار البحر


.. نقاش الساعة - دلالات التوتر في اليمن وعلاقته بالتصعيد بين أم




.. ترمب: مذكرة التفاهم مع إيران كانت اختبارا ولم يلتزموا بها