الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رهانات الحصار وصمود إيران
حسين علي محمود
2026 / 4 / 17مواضيع وابحاث سياسية
يراهن دونالد ترامب في استراتيجيته لإدارة الصراع مع إيران على فكرة قديمة في السياسة الدولية وهي أن الضغط الاقتصادي القاسي يمكن أن يحقق ما تعجز عنه الحروب المباشرة.
الفكرة في جوهرها ليست جديدة، فقد استخدمت العقوبات والحصار لعقود كأداة لإجبار الدول على تغيير سلوكها لكن ما يميز هذه الحالة هو حجم الرهان وتعقيد التوقيت وتشابكها مع توازنات دولية أوسع.
المنطق الذي تستند إليه هذه الاستراتيجية يبدو بسيطاً للوهلة الأولى إذا تم خنق الاقتصاد الإيراني عبر حصار محكم يمنع تدفق النفط ويعزل النظام المالي ويقيد التجارة، فإن النظام في طهران سيجد نفسه عاجزاً عن تلبية احتياجات الداخل ما سيدفعه في النهاية إلى التفاوض وتقديم تنازلات خصوصاً فيما يتعلق ببرنامجه النووي.
هذا التصور يفترض أن الاقتصاد هو نقطة الضعف الحاسمة وأن الدولة ستقدم التنازل قبل أن تصل إلى الانهيار الكامل.
لكن المشكلة لا تكمن في النظرية، بل في الواقع المعقد الذي تتحرك فيه، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة السياسية خصوصاً تلك التي تمتلك بنية أيديولوجية قوية لا تتصرف دائماً وفق منطق الكلفة الاقتصادية المباشرة.
إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية خاضت حرباً طويلة مع العراق في الثمانينيات من القرن الماضي وعاشت تحت عقوبات ممتدة وطورت آليات داخلية للتكيف مع الضغوط سواء عبر الاقتصاد الموازي أو عبر توسيع شبكاتها الإقليمية.
هنا يظهر التناقض الأساسي في تقديرات صناع القرار، فريق داخل الإدارة الأمريكية يرى أن الاقتصاد الإيراني كان ضعيفاً بالفعل قبل تشديد الحصار وأنه يقف على حافة الانهيار وبالتالي فإن الضغط الإضافي سيؤدي سريعاً إلى نتيجة سياسية.
في المقابل يرى خبراء الشرق الأوسط أن النظام الإيراني يمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات وأنه مستعد لتحمل تدهور اقتصادي شديد إذا كان البديل هو التخلي عن مشروع يعتبره وجودياً مثل البرنامج النووي.
هذا التباين في التقدير ليس تفصيلاً، بل هو جوهر الأزمة لأن الاستراتيجية المبنية على افتراض خاطئ قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
فإذا كان النظام قادراً على الصمود فإن الحصار لن يؤدي إلى التفاوض، بل قد يدفع إلى مزيد من التصعيد سواء عبر تسريع البرنامج النووي أو عبر تحريك أوراقه في المنطقة.
في هذا الإطار لا يمكن تجاهل البعد العسكري غير المباشر للاستراتيجية، أما الحديث عن قدرة البحرية الأمريكية على فرض حصار طويل الأمد يطرح سؤالاً حول كلفة هذا الانتشار، فالقوة البحرية ليست مورداً لا ينضب وأي تركيز كبير في منطقة معينة يعني بالضرورة تقليصاً في مناطق أخرى.
هنا تدخل حسابات أوسع تتعلق بالمنافسة مع الصين التي تراقب بدقة أي فراغ محتمل في المحيط الهادئ.
القلق داخل البنتاغون وإن كان غير معلن بشكل صريح يرتبط بهذا التوازن.
فإطالة أمد الحصار قد تستنزف القدرات البحرية وتضعف الجاهزية في مناطق استراتيجية أخرى وهذا يخلق مفارقة الضغط على إيران قد يفتح مجالاً لمنافسين آخرين لتعزيز مواقعهم في النظام الدولي.
إضافة إلى ذلك هناك بعد جغرافي سياسي آخر يتعلق بدور دول مثل باكستان التي قد تتحول إلى ساحة تفاوض أو قناة خلفية للحوار.
أي تحرك دبلوماسي نحو مثل هذه العواصم يعكس إدراكاً بأن الحصار وحده لا يكفي وأنه لا بد من مسار سياسي موازٍ. لكن هذا المسار نفسه يعتمد على توقيت دقيق هل يأتي قبل الانهيار الاقتصادي؟! أم بعده؟! وهل سيكون التفاوض من موقع ضعف أم من موقع صمود؟!
المشكلة الأكبر أن الاقتصاد العالمي نفسه ليس بمنأى عن هذه المعادلة وأي تصعيد طويل الأمد في الخليج قد يؤثر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي العالمي. وبالتالي فإن الرهان ليس فقط على انهيار اقتصاد إيران، بل أيضاً على قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تداعيات هذا الضغط.
تبدو الاستراتيجية وكأنها سباق بين مسارين مسار الضغط الاقتصادي الذي يفترض أن يؤدي إلى الانهيار ومسار الصمود السياسي الذي يفترض أن يتحمل الألم حتى النهاية.
لا يمكن للمسارين أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه، إما أن ينهار النظام تحت وطأة الاقتصاد أو يثبت أن لديه قدرة أعلى على التحمل مما يعتقد خصومه.
وهنا يكمن جوهر الرهان الحقيقي، ليس فقط على قوة العقوبات، بل على فهم طبيعة الخصم لأن الخطأ في هذا الفهم لا يؤدي فقط إلى فشل الاستراتيجية، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة حيث لا يعود الضغط الاقتصادي كافياً وتصبح الخيارات أكثر كلفة وتعقيداً للجميع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أزمة سياسية تهز كييف: الأوكرانيون يطالبون بعودة وزير الدفاع
.. النظام الغذائي المتوسطي.. سر الصحة وطول العمر؟
.. التصعيد الإيراني الأمريكي يثير استياء الأردن واستمرار الاعتر
.. محلل سياسي كويتي: إيران تستهدف الخليج لفرض الانخراط بالحرب ا
.. قراءة عسكرية | الجيش اللبناني ينتشر في زوطر الغربية ضمن ترتي