الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خاطرة – الجسر -

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 4 / 17
الادب والفن


يا صاحِ، هل وقفتَ على جسرٍ في ليلةٍ قمراءَ، حين تختلطُ ظلالُ الحديدِ بضياءِ النجمِ، وتصبحُ الأرضُ سماءً والسماءُ أرضًا؟ هل أحسستَ بنبضِ الخشبِ تحت قدميكَ، كأنه قلبُ الدنيا يخفقُ حبًا ولوعةً؟ تعالَ نقفْ هنيهةً على هذا الجسرِ العتيقِ، نقرأُ على جبينِ الحجارةِ سفرَ الزمانِ المفتوح.
هو قوسُ اللهِ الممدودُ بين ضفتين، يتنفسُ من فمِ النهرِ رائحةَ البدءِ ووشوشةَ الختام. تعلو قناطرُه كحاجبَي عاشقٍ يحني ظهرَه للريحِ طاعةً للقدر. تمتدُّ أذرعُه الحديديةُ في الفضاءِ كأنها تريدُ معانقةَ الغيم، وأقدامُه الحجريةُ تغوصُ في الماءِ كأنها تتشبثُ بسرِّ الكائنات.
من فوقه، تُبحرُ الروحُ بين زمانين: زمانٍ مضى كالحلمِ لا يردُّه بكاء، وزمانٍ سيأتي كالوعدِ لا يُسدلُ له ستار. والجسرُ – وحده – هو الشاهدُ الأبديُّ على هذا اللقاءِ المقدسِ بين ما فاتَ وما يُنتظر. هو صدرُ الحنينِ المنشورِ على ماءِ الأملِ الجاري.
كم عبرَهُ في الفجرِ ناسكٌ يجرُّ عباءتَه، فصارت خطواتُه تسبيحاتٍ خفيةً تُذيبُ الجليدَ عن قلوبِ الحجارة. وكم عبرَهُ في المساءِ عاشقانِ تهامسا تحت وهجِ القمرِ، فتبسمتِ الأمواجُ لهما وألقتْ عليهما عقودَ اللؤلؤِ من رغوتِها. وكم عبرَهُ طفلٌ يحملُ أمنيةً في كفِّه الصغيرة، ألقاها في الماءِ ظنًّا منه أن تصل إلى ربِّ العباد.
أما أنا، فكم وقفتُ على متنهِ وحدي، أتأملُ انعكاسَ النجومِ على صفحةِ الماءِ المضطرب، فتخيلتُ أن السماءَ تنظرُ إلى الأرضِ في مرآةٍ صافيةٍ لا يعكرُ صفوَها إلا غبارُ القلب. وتخيلتُ أن الجسرَ هو السبحةُ الطويلةُ التي تصلُ بين العالمَين، فسبحةٌ منها في يمينِ الغيبِ، وأخرى في شمالِ الشهادة.
هو ليس مجرد حجارةٍ تُرصُّ، ولا حديدٍ يُطرق، بل شاهدٌ صامتٌ على عهودٍ لا تُخلف، ويدٌ ممدودةٌ تمسحُ دموعَ الفراقِ عن وجوهِ المسافرين. هو نبضُ مدينةٍ لا تنام، وصرخةُ وادٍ لا يصمت. يعبرُ فوقه الناسُ مسرعين، كلٌ يظنُّ أن الجسرَ طريقٌ إلى غايته، والجسرُ يعلمُ أنه هو الغايةُ والطريقُ معًا.
يمرُّ الفقيرُ حافيَ القدمين، فلا يشعرُ ببرودةِ الحديدِ لشغلِه بالرغيف. ويمرُّ الغنيُّ منثورَ الأزرارِ، فلا يرى جمالَ القمرِ لانشغاله بالحساب. ويمرُّ العاشقُ خافقَ الفؤاد، فيحسبُ أن كلَّ ضوءٍ على الماءِ ابتسامةُ حبيبِه. ويمرُّ الثكلى حزينةَ الخطى، فتصيرُ عليها خطواتُه كأنها رثاءٌ طويل.
وفي العتمةِ الماطرة، حين يخلو الجسرُ من المارة، يتحدثُ إلى الماءِ بصمتٍ حزينٍ ولسانٍ لا يُرى. يسأله عن أسرارِ العمقِ المخبوء، وعن ضفافٍ بعيدةٍ لم تطأها قدمُ بشر. والماءُ يجيبُه بتمايلِ موجٍ خفيف، وكأنه يهمسُ في أذنِ الحجر: "كم من جسورٍ بنيتَها الأماني فانهارتْ عند أولِ عاصفة، وكم من جسورٍ بنيتَها العيونُ فذابتْ كالثلجِ عند أولِ شمس."
أما هو فيبسمُ بصمتِ الحجرِ المقدس، ويقول: "لا يهمُ أن تعبرني الأقدامُ أم لا. المهمُ أن أظلَّ هنا، شاهقًا بين الضفتين، أذكرُ العالمَ أن الوصلَ أبقى من القطيعة، وأن الجسورَ تُبنى بالحبِّ لا بالحديد، وبالدموعِ لا بالأسمنت، وبالروحِ لا بالحجارة."
ثم يهبطُ الليلُ ثقيلًا، فيغفو النهرُ على همسِ الموج، وتنامُ المدينةُ على صدرِ التلال. ويبقى الجسرُ وحيدًا حارسًا للحلمِ الخفي، يشدو بصوتِ الخشبِ القديم: "أنا جسرُ العاشقين، أنا ممرُّ الأحلام، أنا قبلةُ الضفتين. من عبرني إلى الأبدِ لا يعود، ومن توقفَ عليَّ يجدني بيتًا من ضوءٍ ووطنًا من سكون."
يا صاحِ، هل تعرفُ أننا كلنا جسورٌ معلقةٌ بين ضفتين: ضفةُ الميلادِ وضفةُ الممات؟ وأن حياتنا ليست إلا عبورًا على متونِ الأيام، لا نستقرُّ إلا في قلبِ الجسرِ حيث تلتقي السماءُ والأرضُ، وحيث يذوبُ الفراقُ في عناقِ الأبد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات