الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية-

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 4 / 17
قضايا ثقافية


يا هذا، إنَّ في ميدان التاريخ رجالًا يمرّون على الحوادث كما يمرّ العابر على الطريق، لا يرى إلا غبار الأقدام، وإنَّ فيه رجالًا إذا نظروا إلى الحادثة استخرجوا منها روح العصر، وإذا قرأوا الوثيقة أنطقوا ما سكتت عنه السطور. ومن هذا الضرب النادر الأستاذ الدكتور مفيد كاصد الزيدي، أستاذ التاريخ المعاصر، الذي جعل من التاريخ الثقافي نافذةً لفهم المجتمعات، ومن العلاقات الدولية ميزانًا لقراءة المصائر، ومن النظم السياسية في الخليج العربي بابًا واسعًا لفهم تشكّل الدولة الحديثة وتحوّلاتها. وتدل أعماله الممتدة في تاريخ الخليج والتيارات الفكرية فيه على مشروع علمي راسخ، امتد من دراسة بدايات النهضة الثقافية إلى تحليل التيارات السياسية والفكرية في المنطقة. يا أصلحك الله، إنَّ المؤرخ الحق لا يكتفي بأن يقول: هنا وقع الحدث، بل يسأل: ما الذي أهاج هذا الحدث في باطن المجتمع؟ وما الذي أورثه في الوعي الجمعي؟ وهكذا كان الزيدي، فإنه لم يقف عند ظاهر الوقائع، بل غاص في طبقاتها، فقرأ الخليج العربي لا بوصفه جغرافيا نفطية فحسب، بل بوصفه فضاءً ثقافيًا تتقاطع فيه التيارات الفكرية، وتتجاور فيه أسئلة الهوية، والدولة، والنهضة، والعلاقة بالعالم. فهو، يا هذا، كالرائد الذي يدخل الصحراء قبل القافلة، يختبر المسالك، ويضع العلامات، ثم يجيء من بعده الباحثون فيهتدون بأثره. وما دراساته في التيارات الفكرية في الخليج العربي إلا شاهد على هذا النفس الريادي، إذ تناول المنطقة في تخصيصٍ علمي لم يكن مألوفًا، جامعًا بين القوى الليبرالية والقومية والإسلامية والماركسية، في رؤيةٍ ترى الخليج وحدةً فكريةً وسياسيةً تتجاوز الحدود الإدارية الضيقة.
وإذا كان بعض المؤرخين، يا هداك الباري، يأنسون إلى الماضي لأنه مضى، فإن الزيدي يأنس إليه لأنه ما زال يعمل في الحاضر. ولذلك رأيناه يكتب عن محاولات الإصلاح السياسي في السعودية، فيجعل من الإصلاح سؤالًا تاريخيًا وسياسيًا معًا، لا مجرد وصفٍ لتعديلات إجرائية، بل قراءةً في توازن الدولة والمجتمع، والسلطة والتحوّل، والثابت والمتغيّر. وقد لقي هذا العمل صدىً في الدراسات العربية المعاصرة. وهو، يا هذا، في دراساته عن الكويت والبحرين والإمارات وقطر، كالبصير الذي ينظر إلى النهر من منبعه إلى مصبه. يقرأ التجربة الديمقراطية في الكويت لا بوصفها حالةً منفصلة، بل نموذجًا خليجيًا في التعثر والاستمرار. وينظر إلى البحرين في تطوراتها الداخلية باعتبارها مختبرًا سياسيًا لتفاعل الدولة والمجتمع. ويقرأ الإمارات من جهة تاريخها الثقافي والإصلاحي، حتى ليبدو كأنه ينسج من الوثيقة خريطةً للنهضة الخليجية الحديثة. وتشهد كتبه عن قطر وتاريخها المعاصر على هذا النفس التحليلي الممتد. يا هذا، إنَّ الأستاذ في الجامعة كالقلب في الجسد، إذا صحَّ نبضه سرت الحياة في الأطراف. ومفيد الزيدي من هذا الصنف الذي لا يكتفي بتلقين الطلبة، بل يفتح لهم أبواب السؤال. فهو لا يدرّس التاريخ المعاصر على أنه سلسلة انقلابات ومعاهدات، بل على أنه فهمٌ للعقل السياسي العربي، ووعيٌ بكيفية تشكّل الدولة، وإدراكٌ للعلاقات الدولية بوصفها امتدادًا للمصالح والرموز والثقافات.
وما أجمل، يا هذا، أن ترى الباحث يجمع بين التاريخ الثقافي والعلاقات الدولية، فإن أكثر الناس يكتفون بواحدٍ منهما. أما هو فقد أدرك أن الدولة لا تُفهم بالمعاهدات وحدها، ولا بالنخب وحدها، بل بما يعتمل في المجتمع من ثقافةٍ وطبقةٍ وسطى وانتلجنسيا وأسئلة نهضة. ولذلك جاءت دراساته عن الطبقة الوسطى والانتلجنسيا في العراق لتكشف أن التاريخ الاجتماعي هو مفتاحٌ لفهم التاريخ السياسي، وأن النخبة ليست هامشًا في السرد، بل هي من صانعيه. يا أصلحك الله، إنَّ من دلائل الرسوخ العلمي أن تتسع اهتمامات الباحث من الخاص إلى العام، ومن المحلي إلى الإقليمي. والزيدي فعل ذلك حين كتب عن العرب والنظام الدولي وإرهاصات الربيع العربي، فقرأ التحولات العربية في ضوء تبدّل النظام العالمي، ورأى أن الربيع العربي لم يكن انفجارًا سياسيًا فحسب، بل لحظةً كشفت هشاشة الدولة الوطنية، وامتحنت قدرتها على البقاء في عالمٍ متغيّر. وهو، يا هذا، في حديثه عن الحروب الأهلية العربية ومستقبل الدولة الوطنية، كمن يضع إصبعه على جرح الأمة. لا يكتفي بوصف الدم، بل يسأل: كيف تضعف الدولة؟ كيف تتشظى الهوية؟ كيف يتحوّل المجتمع من فضاء مواطنة إلى فضاء انقسام؟ وهي أسئلة لا يطرحها إلا مؤرخٌ يرى في الحاضر امتدادًا طويلًا للماضي.
ثم انظر، يا رعاك الله، إلى اشتغاله بتاريخ العلاقات العراقية مع الهند والإمارات والخليج عمومًا، فترى عقلًا لا يحبس العراق في حدوده، بل يقرأه في امتداده الآسيوي والعربي. فهو يدرك أن العلاقات الدولية ليست جداول دبلوماسية، بل شبكات مصالح، وذاكرة تفاعل، وجذور ثقافية تتجاوز السياسة اليومية. يا هذا، إنَّ بعض الباحثين إذا كتبوا في التاريخ الثقافي غرقوا في الرموز، وإذا كتبوا في السياسة جفّ خطابهم. أما الزيدي فقد جمع بين حرارة الثقافة ودقة السياسة، فكان أسلوبه كالماء العذب: يحمل العمق دون أن يفقد صفاءه. ولهذا جاءت دراساته عن بدايات النهضة الثقافية في الخليج العربي من الأعمال المؤسسة في بابها، لأنها لم تنظر إلى النهضة بوصفها كتبًا ومطابع فحسب، بل بوصفها تحوّلًا في الوعي الجمعي وصناعةً للإنسان الجديد. وإني، يا هذا، لأرى مشروعه العلمي شبيهًا بالمنارة على ساحل الخليج: تهدي السفن في الليالي المظلمة، وتدلّ الباحثين على المسالك التي قد تخفى في لجّة الوثائق وتراكم الأحداث. فمن أراد فهم الدولة الخليجية الحديثة، أو تشكّل التيارات الفكرية فيها، أو تداخل الثقافة بالسياسة في فضائها، فلن يستغني عن أثر مفيد الزيدي. فاذكر، يا أصلحك الله، أن الرجال لا تُقاس أقدارهم بكثرة ما يقال فيهم، بل بما يتركونه من بصيرةٍ في عقول تلامذتهم، ومن أثرٍ في مناهج البحث، ومن ضوءٍ في المسائل المعقدة. ومفيد كاصد الزيدي من أولئك الذين جعلوا التاريخ المعاصر حيًّا في الضمير العلمي العربي، لا خبرًا محفوظًا، بل فهمًا نافعًا، وبصيرةً في الدولة، وتأملًا في المصير. فهو، يا هذا، مؤرّخٌ إذا كتب في الخليج أبانَ عمقه، وإذا كتب في الدولة العربية كشف هشاشتها وقوتها، وإذا كتب في الثقافة ردّ السياسة إلى أصلها الإنساني. وتلك منزلةٌ لا يبلغها إلا من جمع صبر الباحث، ونفَس المؤرخ، وحكمة من يرى في الأمس مرآة الغد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا


.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية




.. التيارات السياسية في إيران بين تداعيات الحرب وصنع القرار


.. نتنياهو: إسرائيل لن تسمح لأي جيش بالتمركز على حدودها




.. خارج الصندوق | وزير دفاع إسرائيل لـ-الشرع-: نحن على جبل الشي