الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مواقع تتربح وطفولة تُستباح

محمد وهاب عبود

2026 / 4 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


بداية من أستراليا مروراً بفرنسا وصولاً إلى بريطانيا تستمر قرارات حظر مواقع التواصل الاجتماعي عن الأطفال، في ما يواصل أقطاب التكنولوجيا جني حصاد الأرباح من طفولة لا تعرف كيف تحمي نفسها.

يقول الفيلسوف جون لوك إن عقل الطفل صفحة بيضاء لم تكتب عليها التجارب بعد. لكن ماذا حين تتولى الكتابة على تلك الصفحة أياد لا تؤمن إلا بمعادلة واحدة مفادها أنه كلما طالت مدة المعاينة على الشاشة، تكدست الأموال في خزائن مالكي مواقع التواصل الاجتماعي.
ها هي استراليا وفرنسا والنرويج واليونان وسلوفينيا وبريطانيا تقطع الطريق على هذه المنصات، فتسن قوانين تمنع الأطفال دون الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة من ولوج الفيسبوك وتيك توك وإنستغرام، وكأنها تعلن حالة الطوارئ على براءة الطفولة قبل أن تدنسها براثن الإدمان الرقمي.

المفارقة أن أقطاب تلك المنصات باتوا اليوم في دائرة الاتهام بتهمة التخطيط المتعمد لصناعة الإدمان، فقد أقرت تسريبات بأن هذه الشركات تستخدم خوارزميات مصممة بدقة متناهية لاختراق نقاط الضعف النفسي لدى المستخدمين، وخصوصاً الأصغر سناً للقيام بما يعرف بهندسة الإدمان ، كتلك التي يدير بها تاجر المخدرات مفاعيل الجرعة الأولى.

فالطفل الذي يقضي ساعات في مقارنة صوره مع صور مصفاة بمئات الفلاتر، يخرج بجسد مشوه في مخيلته، بعقل يظن أن الحب لا يستحق إلا بكمية الإعجابات، وأن القيمة البشرية تقاس بسرعة انتشار المقطع. كما يتسلل القلق الاجتماعي إليه، فينام على وسادة من الاكتئاب ويصحو على كابوس الوحدة. وتتحطم قدرته على التركيز، فيصبح عاجزاً عن قراءة صفحة من كتاب أو الإنصات لصديق لدقائق. تنهار جودة نومه ويختل إيقاعه البيولوجي تحت وطأة الضوء الأزرق الذي يخدع الدماغ ظاناً أن الشمس لم تغب بعد.

وقد أظهرت دراسات نشرتها دوريات طبية محكمة أن معدلات القلق والانتحار بين المراهقين ارتفعت بنسبة تناهز المئة وخمسين بالمئة بعد العقد الثاني من الألفية، أي بالتزامن مع انتشار الهواتف الذكية في كل حجرة نوم.

لكن الضرر الأعمق يتجاوز النفسي إلى الاجتماعي. فهذه المنصات بتصميمها الذي يكافئ الفرد على حساب الجماعة، تعزز الأنانية وتعمق العزلة، فكم من جلسات عائلية تحولت إلى صمت وكل فرد غارق في متاهته الرقمية! كم من أطفال فقدوا القدرة على قراءة تعابير الوجوه الحقيقية، على الإحساس بالألم حين يرون دموع الآخر، وعلى مد يد العون دون أن يطلب منهم "لايك"؟

تتلاشى الألفة التي كانت تميز المجتمعات الإنسانية وتحل محلها ثقافة المقارنة الدائمة، من يملك جسداً أكثر تشكيلاً، من يسافر إلى وجهات أبعد، من يحصل على تفاعلات أكثر. فالفقير يشعر بفقر أكثر والغني يشعر أن غناه لا يكفي.

وحين تتصدر واجهات التطبيقات مشاهد القتل والحروب وإيذاء الحيوانات والبشر تحت غطاء "الترفيه"، تختل البوصلة الأخلاقية لدى الطفل الذي لم تتشكل بعد لديه آليات التمييز بين الجد والهزل، بين الألم والمتعة. يضحك على جثة وينشر مقطع سقوط إنسان كالنكتة ويشارك في تحديات خطيرة قد تودي بحياته. لقد تحولت التطبيقات إلى مخدرات رقمية، والفرق الوحيد أن المخدرات التقليدية كانت تخفي قبحها، أما هذه فتقدم الخراب في شاشات ملونة.

قد يقول قائل إن التكنولوجيا موج جارف لا يمكن صدّه، وهذا صحيح لكن حين ظهر التلفزيون استطاعت أسر كثيرة أن تضع برامج حماية، أن تختار ما يشاهده الطفل، أن تحدد ساعات المشاهدة، أن تجلس بجانبه وتشرح وتناقش. أما اليوم فالهاتف الذكي في جيب الطفل يخرج معه إلى كل مكان، ويخلد معه إلى النوم، ويستيقظ قبله.

فالخوارزميات أقوى من أي رقابة أبوية، إنها حرب غير متكافئة متمثلة بطغمة فاسدة من مالكي التكنولوجيا لا يهمها سوى السيطرة على العقول والجيوب، زمرة تريد صناعة أجيال استهلاكية محطمة، أنانية لا تعبأ بالعدالة الاجتماعية ولا التنمية ولا السلمية ولا النزاهة ولا التضامن، وأمام تحديات تغلي كالمرجل على سطح هذا الكوكب.

دكتور محمد وهاب عبود باحث وأكاديمي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة عسكرية.. الحصار البحري الأمريكي لإيران يدخل حيز التنفي


.. واشنطن تعلن نشر أكثر من 20 سفينة حربية أمريكية ومئات المقاتل




.. مليارات للاستيطان مقابل عقوبات.. تصعيد دولي يلاحق خطط إسرائي


.. الخارجية الإيرانية: سنمارس سيادتنا على مضيق هرمز مهما كلف ذل




.. خارج الصندوق | أول رد رسمي من -نجاد- بعد كشف محاولة تجنيد ال