الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ابن باديس: تجربة الإحياء الإنساني وهندسة النهضة الحضارية

جمال بعلي

2026 / 4 / 17
قضايا ثقافية


​يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عن رفيقه في الدرب: "إنّ ابن باديس لم يكن فرداً، بل كان أمةً في رجل، وكان هو القوة التي أخرجت الجزائر من غيابت الجهل إلى نور العلم، ومن ذل الاستكانة إلى عزة الأنفة".
من هذه القوة الروحية والفكرية، انطلق رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، الذي أدرك أن كسر قيد الاستعمار يبدأ بكسر قيد الجهل. يُعتبر الشيخ عبد الحميد بن باديس الرمز الأبرز للنهضة الجزائرية في العصر الحديث، والرجل الذي استطاع بعبقريته الفذة أن يربط بين الإصلاح الديني والوعي الوطني في وقت كانت فيه الهوية الجزائرية تواجه خطر المحو والذوبان. ولد ابن باديس عام 1889 في مدينة قسنطينة لعائلة عريقة، وتلقى تعليمه بين زواياها قبل أن ينتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، حيث استقى منهجه الإصلاحي القائم على العودة إلى الأصول الصحيحة للدين مع الانفتاح على علوم العصر.
​لم يكن ابن باديس مجرد عالم دين تقليدي، بل كان استراتيجياً ومهندساً اجتماعياً يتمتع بوعي سياسي حاد ورؤية ثاقبة في بناء "الفرد المجاهد". لقد أدرك أن المواجهة مع العدو لا تنجح بهبات عاطفية مؤقتة، بل تتطلب إعداداً نفسياً وفكرياً طويل الأمد؛ فكان تصوره للمجاهد يبدأ من "الاستقلال النفسي" قبل الاستقلال السياسي. لقد سعى لبناء شخصية جزائرية متكاملة، تعتز بجذورها وتفهم ألاعيب المستعمر، مؤمناً بأن الفرد الذي يتحرر من عقدة النقص تجاه "الرجل الأبيض" ومن قيود الجهل الداخلي، هو وحده القادر على حمل السلاح بوجه المحتل بصلابة لا تلين. لقد قام بناء فكره على توليفة عبقرية جمعت بين الأصالة النصية والمعاصرة الواقعية، متخذاً من العقلانية الإيمانية وسيلة لتحرير العقول، وهو ما تجلى بوضوح في موقفه من "التصوف"؛ حيث لم يكن محارباً للتصوف بمفهومه الروحي الأخلاقي السني، بل كان خصماً عنيداً لما سماه "الطرقية" التي استغلتها الإدارة الفرنسية لتنويم الشعب وتكريس الخرافة والبدع. كان يدعو إلى تصوف الزهد والعمل لا تصوف العزلة والتواكل، مؤمناً بأن تحرير الأرض يبدأ حتماً من تحرير العقول من أوهام الوسطاء. ورغم شراسة المعارك الفكرية، تميز ابن باديس باعتدال لافت حتى مع خصومه، فكان منهجه "الإنصاف قبل الانتصار"، حيث يجادل بالتي هي أحسن ويحفظ كرامة مخالفيه ما لم يمسوا بثوابت الأمة، مجسداً أدب العلماء الذي لا يفسد للود قضية في سبيل بناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصمود أمام التحديات الخارجية.
​ولم يكتفِ ابن باديس بحدود الوطن، بل اتسم فكره بانفتاح حضاري وعمق عروبي وإسلامي؛ فكان يرى في نهضة الجزائر جزءاً من نهضة الأمة، متابعاً لقضاياها الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين، ومؤمناً بأن الاستفادة من معارف العصر وعلومه المادية ضرورة شرعية لا تكتمل النهضة بدونها، مما جعل مشروعه يزاوج ببراعة بين الحفاظ على الجذور والانخراط الواعي في مسار التاريخ الإنساني. ومن هذا المنطلق الحضاري الشامل، أنشأ المدارس في كل ربوع الوطن لترسيخ شعاره الخالد "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وتوج جهوده بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، التي أصبحت بمثابة الحصن المنيع ضد محاولات الفرنسة والتبشير. وبالتوازي مع التعليم، اتخذ من الصحافة وسيلة لنشر فكره التحرري عبر جريدتي "المنتقد" و"الشهاب"، حيث تجلى في كتاباته أسلوب فريد يمزج بين الإيجاز والتركيز والبيان القرآني الجزيل. كان يكتب بمداد من نور ونار، مبتعداً عن الحشو اللفظي، ومستخدماً جملًا قصيرة وقوية تشبه الطلقات في دقتها، مما جعل لمقالاته نفاذاً في القلوب وهيبة في النفوس. تميز أسلوبه بالواقعية التقريرية والنفس السجالي الهادئ الذي يفحم الخصوم بالحجة والبرهان دون شطط أو إسفاف، رابطاً دائماً في أطروحاته بين استقامة الفرد وحرية الوطن، ومحولاً الفكر الهامد إلى حركة دؤوبة ومؤسسات قائمة على الأرض.
​تتجسد عظمة ابن باديس في مواقف عملية صلبة لم يثنه فيها إغراء ولا ترهيب؛ فكان موقفه حازماً ضد "التجنيس" الذي اعتبره خروجاً من رقعة الإسلام، ووقف كالطود الشامخ في المؤتمر الإسلامي عام 1936 بباريس ليقول كلمته التي هزت أركان الإدارة الاستعمارية: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تكون فرنسا". لقد كان هذا الموقف تعبيراً عن نضج سياسي يرفض الذوبان ويتمسك بالسيادة الروحية والثقافية كتمهيد للسيادة الجغرافية. ورغم ضغوط الحكام العامين الفرنسيين، ظل متمسكاً ببيانه العملي في التربية والتعليم، معتبراً أن يداً تبني العقول أقوى من يدٍ تمسك السلاح. ورغم وفاته في عام 1940، قبل اندلاع الثورة التحريرية الكبرى بأربعة عشر عاماً، إلا أن أثره ظل نابضاً في روح الشعب، إذ إن الجيل الذي تعلم في مدارسه وتشرّب رؤيته في بناء "الإنسان المقاوم" هو ذاته الجيل الذي حمل السلاح لاحقاً محققاً الاستقلال. واليوم، يظل يوم وفاته في السادس عشر من أبريل يوماً وطنياً للعلم في الجزائر، تخليداً لذكرى الرجل الذي أحيا أمة كادت أن تنسى ذاتها، وصاغ بتضحياته وفكره المعالم الأساسية للشخصية الجزائرية الحديثة. وفي وصف هذا الأثر العظيم، يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: "إنّ ابن باديس هو الذي جعل من الشعب الجزائري شعباً حياً، وقد أخرج منه القوة الكامنة التي كانت تنتظر اليد الصالحة التي تحركها"، ليؤكد تلميذه الشيخ محمد خير الدين أن ابن باديس كان يعلم للأجيال ويبني للخلود، محافظاً على عقيدة الأمة وتاريخها ولسانها

بعلي جمال _الجزائر_








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يتجه اليمن إلى مواجهة عسكرية واسعة؟ | #بالمنطق


.. أوكرانيا تشن أكبر هجوم على موسكو.. وروسيا تخترق أجواء الناتو




.. 181 عملية ضد الحوثيين.. لماذا تتركز العمليات في مأرب وتعز وا


.. عبر الخريطة التفاعلية.. تصعيد حوثي جديد في المخا.. ماذا يحدث




.. وصول حافلتين من جنود الاحتلال برفقة آليات عسكرية إلى بلدة قص