الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سوريا: حرية التعبير المضمونة تم سحقها

أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)

2026 / 4 / 18
المجتمع المدني


حرية التعبير المضمونة تم سحقها

اليوم، في السابع عشر من نيسان، وفي العاصمة دمشق، رأى العالم كيف تُطبَّق مقولة «حرية التعبير مصانة». ما حصل لم يكن مجرد انتهاك بسيط، بل كان ركلًا مباشرًا لهذا الحق في اعتصام سلمي، شعاراته مشروعة ومحقة. وأغلب اليافطات حملت هموم المواطنين: تضخم اقتصادي ينهش القدرة على العيش، تدخل في الحريات الفردية، مطالب بالتعددية السياسية، ورفض لوصاية “الشيخ الرقيب” على مؤسسات الدولة وحركة المجتمع. ومع ذلك، فإن ما رأيناه اليوم يرقى إلى تحريض أعمى على تعنيف من يمارس حقه الطبيعي في التعبير.

الشعارات التي انتشرت كانت واضحة: مطالب لا تسيء لأحد، بل تنحاز لحقوق السوريين. في المقابل، رأينا مشهدًا صادمًا: أفراد ينهالون بالضرب على من يتحدث عن كرامة الناس وحقهم في قول الحقيقة. لم يكن ذلك مجرد احتكاك عابر، بل تعبيرًا فجًا عن عقلية ترى في الصوت الحر تهديدًا يجب إسكاتُه، لا رأيًا ينبغي مواجهته بالحجة.

ما جرى اليوم هو عملية شيطنة ممنهجة لمطالب الناس. فبدل أن تُواجَه الدعوات إلى الكرامة بالقانون، جرى استبدال القانون بالغوغاء. أحدهم يرفع راية دينية كأداة تعبئة وتحريض، بينما يُطرح مواطن أرضًا ويُركل وثمة من يحمل علم سوريا. هنا لا نتحدث فقط عن عنف، بل عن إعادة تعريف خطيرة لمفهوم “الانتماء”: من يُكافأ على استعراض القوة، ومن يُعاقَب لأنه يتمسك برمز الدولة.

وفي مشهد آخر، تم الاعتداء على سيدة وتحطيم هاتفها أثناء بث مباشر كانت تنقله على صفحتها. لم يتوقف الأمر عند العنف الجسدي، بل امتد إلى الاغتيال المعنوي: اتهامات متداولة بأنها عملت سابقًا في قناة «الدنيا» من الحقبة الأسدية، وأخرى تزعم ارتباطها بصفحات معادية للثورة. غير أن هذه الادعاءات بقيت في دائرة الشك، بين نفيٍ صدر عنها وتداولٍ بلا دليل. وهنا تتجلى خطورة إضافية: حين يتحول الاتهام غير الموثّق إلى مبرر للعنف، يصبح كل فرد مشروع ضحية، وكل رواية قابلة للتسليح، وكل شائعة قابلة لأن تتحول إلى حكم ميداني.

المفارقة هنا ليست عابرة؛ إنها تكشف اختلالًا عميقًا في تعريف «الشرعية» نفسها: من يملك حق تمثيل الوطن؟ ومن يُمنح شرعية قمع الآخرين باسمه؟ في لحظة كهذه، لا يعود الخلاف سياسيًا أو حتى أخلاقيًا، بل يصبح صراعًا على معنى الوطن ذاته: هل هو مساحة جامعة للحقوق، أم ساحة مفتوحة لفرض الوصاية؟

المشكلة لا تكمن فقط في العنف، بل في الرسالة التي يحاول هذا العنف تكريسها: أن التعبير السلمي لم يعد آمنًا، وأن المطالبة بالحقوق قد تُواجَه بالإهانة الجسدية بدل النقاش العام. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع أبسط المبادئ التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تُعتبر حرية الرأي والتعبير حقًا غير قابل للمساومة، لا منحة تُسحب عند أول اختبار.

في الدول التي تحترم نفسها، لا تُقاس قوة السلطة بقدرتها على إسكات الناس، بل بقدرتها على الاستماع إليهم عندما يكون صوتهم حادًا ومزعجًا. أما حين يتحول الشارع إلى مساحة للعقاب بدل أن يكون مساحة للتعبير، فنحن لا نتحدث عن خلل أمني، بل عن أزمة سياسية وأخلاقية عميقة.

ما حدث في دمشق اليوم ليس حادثة صغيرة يمكن طيّها في أرشيف الأخبار، بل مؤشر خطير على اتجاه يريد إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة: علاقة تقوم على الخوف بدل الحق، وعلى القمع بدل القانون. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان التعبير السلمي يُواجَه بهذا الشكل، فما الذي يتبقى من «الحرية» سوى اسمها؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا


.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..




.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول


.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع




.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر