الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة

احمد البهائي

2026 / 4 / 18
الارهاب, الحرب والسلام


ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة: حين يتحول الإعلام إلى مترجم رسمي لمنطق كيف ترى الهزيمة على أنها نضج...
في مشهد يبدو وكأنه كُتب بعناية أكثر مما يُفترض، خرج إبراهيم عيسى على شاشتين، في توقيت متقارب، ليقول نفس الشيء تقريبًا: عمرو موسى أصبح من الماضي، وسياساته عفا عليها الزمن. جملة سهلة، خفيفة، تصلح لأن تمر بلا مقاومة… لكنها في الحقيقة ليست نقدًا، بل إعدام رمزي لفكرة كاملة. الفكرة التي تقول إن هناك شيئًا اسمه أمن عربي، أو مشروع عربي، أو حتى كرامة سياسية لا تُقاس فقط بميزان القوة. بدل أن يناقش الحجة، اختار أن يسخر من صاحبها، وكأن الزمن وحده حجة كافية لإسكات أي صوت لا ينسجم مع الإيقاع الجديد. هذا ليس تجديدًا، بل تنظيف للمشهد من أي بقايا قد تُذكّر الناس بأن هناك بدائل كانت تُطرح يومًا ما. عمرو موسى، مهما اختلفت معه، كان يتحدث من موقع واضح: الأمن لا يُشترى، ولا يُدار من الخارج، ولا يتحول إلى فاتورة سلاح تُدفع ثم تُعتبر إنجازًا. أما الرد الذي جاءه، فلم يكن ردًا على الفكرة، بل كان التفافًا حولها، وتقديم بديل مغلف بلغة “الواقعية”: انتهى زمن الشعارات، نحن في عالم تحكمه موازين القوة، ومن لا يفهم ذلك فهو يعيش خارج التاريخ. الجملة تبدو ذكية… إلى أن تدرك أنها في حقيقتها تنازل مُعاد تسويقه، لا أكثر. وهنا ندخل إلى الطبقة التي تحب أن تُعرّف نفسها بأنها “نخبة مثقفة”، بينما تمارس دورًا أقرب إلى سماسرة الوعي. هذه الطبقة لا تصرخ بمواقفها، بل تهمس بها في أذنك حتى تعتقد أنها أفكارك أنت. تسخر من كل ما هو قديم، تعيد توصيف الجرائم كأنها “تعقيدات”، وتحول القتل إلى خبر بارد في نشرة تحليل. لا تقول لك إن عليك قبول إسرائيل، بل تقول لك: لا تبالغ، لا تكن عاطفيًا، لا تتمسك بشعارات عفى عليها الزمن. وبعد عدة خطوات صغيرة، تجد نفسك قد وصلت إلى نفس النتيجة: التطبيع كحالة ذهنية قبل أن يكون قرارًا سياسيًا. المفارقة التي لا تحتاج مجهودًا لاكتشافها أن نفس الخطاب الذي يهاجم “الأمن العربي” باعتباره فكرة قديمة، هو نفسه الذي يبرر أو يخفف من توصيف ما يحدث في غزة، يعيد تأطير الإبادة كأنها مجرد “حرب معقدة”، ويتعامل مع القوة كأنها معيار للحقيقة. أي منطق هذا الذي يسقط فكرة الاستقلال لأنها لم تنجح، ثم يحتضن منطق القوة رغم كل ما يحمله من عنف؟ أي “واقعية” تلك التي تبدأ بتصفية المفاهيم وتنتهي بتبرير القتل؟ ثم تأتي اللحظة التي تكشف كل شيء بلا تجميل: عندما وُصفت مصر بأنها “في حالة يُرثى لها”، لم نسمع غضبًا، ولا دفاعًا، ولا حتى اعتراضًا خجولًا. بالعكس، تم توجيه السهام نحو من رفض الإهانة. هنا لا نتحدث عن اختلاف في الرأي، بل عن تحول في البوصلة نفسها: لم يعد المهم الدفاع عن الكرامة، بل التماهي مع الخطاب السائد، حتى لو مرّ على حسابها. الإعلام في هذه الحالة لا ينقل الواقع، بل يعيد تشكيله. نفس الأسئلة تُطرح، نفس الزوايا تُعاد، نفس الضيوف يظهرون، وكأننا أمام غرفة صدى كبيرة تُعيد إنتاج فكرة واحدة: العالم تغير، ومن لا يتغير معه سيتحول إلى أثر. المشكلة أن “التغير” هنا لا يعني الفهم أو التطوير، بل يعني التكيف مع ما يُفرض، حتى لو كان هذا المفروض هو إعادة تعريف المنطقة بالكامل، بحيث تصبح إسرائيل طرفًا طبيعيًا، وتتحول فلسطين من قضية إلى “ملف”، ويصبح الأمن العربي مجرد ذكرى ثقيلة لا تناسب العصر. القصة إذن ليست بين عمرو موسى وإبراهيم عيسى، ولا بين جيل قديم وجيل جديد. القصة أن هناك خطابًا يتمدد، بهدوء وثقة، يفرغ الكلمات من معناها، ويعيد ملأها بما يناسب ميزان القوة. خطاب يعلّمك كيف تتنازل دون أن تشعر، وكيف تبرر دون أن تعترف، وكيف ترى الهزيمة على أنها نضج. وفي لحظة ما، تكتشف أن المشكلة لم تعد في السياسة فقط، بل في الطريقة التي تم بها إقناعك بأن ما يحدث هو الشيء الطبيعي الوحيد الممكن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصحة في الكونغو الديمقراطية: ارتفاع حصيلة الحالات إلى 2344


.. آندي بيرنهام يتسلم مهام منصبه رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لكي




.. قصف إسرائيلي على منزل بمدينة غزة يوقع شهداء


.. وكالة سانا: إصابة طفلين إثر إطلاق جنود إسرائيليين النار باتج




.. الحرس الثوري: اشتعال ناقلتين عقب انفجار جنوب مضيق هرمز