الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هندسة الوعي في زمن الضجيج
حسين علي محمود
2026 / 4 / 19العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا حاجة لإسكات الحقيقة، يكفي دفنها تحت جبل من التفاهة مثل اخبار تافهة وجدلات فارغة وصراخ بلا معنى حتى يختنق العقل من كثرة ما يسمع فيتوقف عن الفهم وهذا هو اغراق الوعي بالضجيج.
إن تفكيك القدرة على التركيز عن طريق محتوى سريع مبتور وسطحي يدرب العقل على القفز لا على الغوص، على التلقي لا على التحليل حتى يصبح التفكير العميق مهمة مرهقة يهرب منها.
يوم بعد يوم تفرض اعادة تعريف للمعرفة حيث لم يعد العارف من يفهم بل من يكرر وتتحول المعلومة إلى معلبة تستهلك دون هضم ويكافأ من يردد لا من ينقاش.
فيتولد دائما صناعة قطيع الرأي الواحد فيتوزع وهم الاجماع وهو ما يتردد بعبارات منها "الجميع يقول هذا" "الكل يعتقد ذلك" هنا سيخاف الفرد من الاختلاف ويستقيل عقله لصالح جوقة القطيع.
كما ان شيطنة التفكير النقدي تغزو الكثير من المجتمعات الفقيرة فكريا حيث يعتبر كل سؤال عقلي تهديداً وكل تحليل موضوعي يتهم بالتعقيد حتى يصبح الجهل منطقة آمنة والعقل مغامرة خطيرة وتجاوز الخطوط الحمراء.
تكون المكافآت سطحية في هذه المجتمعات فالذي يضحك أكثر يشاهد أكثر والذي يختصر أكثر يكافأ أكثر عندها ستربى اجيال على أن الخفة والساذجة طريقا النجاة وأن العمق عبء بلا أي عائد يذكر.
لا يعود الضجيج في هذا السياق مجرد حالة عابرة، بل يصبح أسلوب حياة إذ تفتح هاتفك فتجد سيلاً لا ينتهي من الأخبار، مقاطع قصيرة، آراء متضاربة، وضحك سريع.
كل شيء يمر بسرعة أسرع من أن تفهمه وأبطأ من أن تتجاهله وهنا لا يطلب منك أن تفكر، بل أن تتابع فقط حيث لم يعد الناس يسألون هل هذا صحيح؟! بل يسألون كم عدد من شاركه؟! ومن قاله قبلي؟!
ومع الوقت تتغير عادات العقل، لم يعد يصبر على قراءة طويلة ولا يحتمل فكرة معقدة حيث يعتاد القفز من مقطع إلى آخر، من فكرة إلى أخرى حتى يصبح التركيز نفسه مهمة مرهقة.
وعندما يتعب يبحث عن الأسهل رأي جاهز، تفسير سريع، جملة مختصرة تنهي الحيرة دون أن تقنع العقل وهكذا لا يلغى التفكير، بل يختصر حتى يفقد معناه.
في مواقع التواصل لا ينتصر الأعمق، بل الأسرع ولا ينتشر الأصدق، بل الأشد إثارة وقد يكون فيديو قصير لكنه يختزل قضية كاملة وتعليق ساخر قد يسقط نقاشاً جادًا.
ومع كل ضغطة إعجاب وكل مشاركة سريعة يعاد تشكيل الذوق العام دون أن نشعر وشيئاً فشيئاً يصبح الاختلاف خطراً ليس لأنه خطأ، بل لأنه مرهق.
عندما يقول الجميع شيئاً، يصبح من الصعب أن تقف وحدك وتسأل لماذا؟! وعندما يتكرر رأي واحد في كل مكان يبدو وكأنه الحقيقة حتى لو لم يكن كذلك وهنا يولد وهم الإجماع.
الإنسان بطبيعته لا يحب العزلة، فيميل إلى ما يميل إليه الآخرون ومع تكرار الرسائل نفسها يخاف من الخروج عن الصف، فيصمت أو يوافق أو يردد حتى لو لم يقتنع.
ليس لأنه ضعيف، بل لأنه محاط بضجيج لا يترك له مساحة للتفكير.
وفي بيئة كهذه يصبح التفكير النقدي عبئاً ويفسر السؤال على أنه اعتراض والتحليل يتهم بالتعقيد والهدوء يقابل بالملل، فيكافأ من يبسط حتى يسطح ويهمش من يفكر حتى يعمق.
ومع الوقت تتبدل القيم حيث الذي يضحك أكثر، يشاهد أكثر والذي يختصر أكثر يكافأ أكثر والذي يفكر بعمق يتعب نفسه بلا عائد سريع.
فتنشأ أجيال تعتقد أن الخفة نجاة وأن العمق عبء لكن الحقيقة أبسط مما تبدو عليه، لأن العقل الذي لا يدرب على التفكير سيتعلم التكرار والإنسان الذي لا يسأل سيصدق أي شيء.
في المحصلة النهائية، لا يختفي الجهل بل يعاد تشكيله في هيئة جذابة إذ يحتفى به ويرفع صاحبه ويقدم كصوت بسيط يزعم تمثيل الناس بينما هو في الحقيقة لا يفعل سوى إعادة إنتاج السقوط ذاته.
وهنا لا يكمن الخطر في الجهل بحد ذاته، بل في القبول به والرضا عنه حتى يتحول الغباء إلى فضيلة تصاغ بعناية داخل منظومة هندسة الغباء الجماعي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تغطية خاصة | تداعيات التصعيد ضد إيران تتسع.. والمقاومة الإسل
.. عظة الأحد - القس تواضروس كامل: السيد المسيح وضع الطفولة أيقو
.. جامع فى مصر مستحيل يتهد.. وليه اللى يدخله يحس انه دخل المسجد
.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون
.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا