الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قاآني في بغداد… القرار العراقي بين يد الدولة وظل الحرس الثوري

مالك الجبوري

2026 / 4 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


يشهد العراق في المرحلة الراهنة حالة معقدة من التداخل بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد على ترسيخ السيادة الوطنية، وبين واقع سياسي وأمني يكشف استمرار تأثير الفاعلين الإقليميين في مفاصل القرار الداخلي، ولا سيما في لحظات التحول الكبرى، مثل تشكيل الحكومات وتحديد موازين السلطة.
في السابع عشر من نيسان/أبريل 2026، قدّم رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في مقال على صحيفة نيوز ويك، رؤية متكاملة لطبيعة الدور الذي تسعى حكومته إلى ترسيخه، مؤكدًا أن العراق استطاع، خلال السنوات الماضية، تجنب الانزلاق إلى صراعات إقليمية رغم تصاعد التوترات منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تبعها من تصعيد بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025، وصولاً إلى موجة التصعيد الجديدة مطلع عام 2026. وقد شدد السوداني على أن حكومته مارست ما يمكن وصفه بـ“إدارة السيادة”، من خلال منع استخدام الأراضي العراقية ساحةً للصراع، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة في ظل ضغوط متعددة الاتجاهات.
غير أن هذا الطرح يصطدم بمعطيات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها. ففي التوقيت نفسه تقريبًا، وصل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، حيث أجرى سلسلة لقاءات مع شخصيات قيادية ضمن قوى الإطار التنسيقي، من بينهم هادي العامري، وقيس الخزعلي، وأبو آلاء الولائي، إلى جانب قيادات في هيئة الحشد الشعبي. وقد تركزت هذه اللقاءات، وفق مصادر سياسية، على ملف تشكيل الحكومة العراقية، في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي وعجز القوى السياسية عن التوصل إلى توافق بشأن مرشح رئاسة الوزراء.
تكتسب هذه الزيارة دلالتها من توقيتها، إذ جاءت في لحظة حاسمة من مسار التفاوض الداخلي، حيث لم يتمكن أي من المرشحين من تأمين الحد الأدنى المطلوب من الأصوات داخل الإطار التنسيقي، والمحدد بثمانية أصوات من أصل اثني عشر. وفي هذا السياق، برز اتجاه نحو طرح “مرشح تسوية”، في محاولة لتجاوز الانقسام القائم، مع استمرار تداول أسماء مثل محمد شياع السوداني ونوري المالكي، إلى جانب طرح اسم باسم البدري كخيار توافقي محتمل.
إن تزامن الخطاب الرسمي الذي يؤكد على احتكار الدولة لقرارها السياسي والأمني، مع تدخلات إقليمية مباشرة في واحدة من أهم عمليات إنتاج السلطة، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة السيادة في الحالة العراقية. فالدولة، من الناحية الشكلية، تمارس وظائفها السيادية، وتدير علاقاتها الخارجية، وتسعى إلى بناء شراكات اقتصادية واستراتيجية مع قوى دولية متعددة. إلا أن هذه الممارسة تظل محكومة بسقف توازنات إقليمية تفرض نفسها على عملية اتخاذ القرار، خصوصًا في القضايا المفصلية.
من جهة أخرى، لا يمكن فهم هذا التداخل بمعزل عن السياق الأمني الذي أشار إليه رئيس الوزراء نفسه، حين تحدث عن إطلاق صواريخ من داخل الأراضي العراقية، وضغوط مارستها فصائل مسلحة للدخول في صراعات إقليمية، إضافة إلى حالة الاحتقان الشعبي التي رافقت تلك التطورات. وهذه المعطيات تعكس وجود تعددية في مراكز القوة داخل الدولة، بما يتجاوز الإطار المؤسسي الرسمي، وهو ما يتعارض مع مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، الذي يُعد أحد أهم مرتكزات السيادة الحديثة.
في هذا الإطار، يظهر العراق بوصفه حالة انتقالية بين نموذجين: نموذج الدولة التي تسعى إلى ترسيخ سيادتها من خلال مؤسساتها، ونموذج الساحة المفتوحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي. فالحكومة الحالية، وفق خطابها الرسمي، تحاول بناء توازن دقيق بين هذه القوى، عبر تبني سياسة تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لطرف واحد، والانفتاح على محيط إقليمي ودولي واسع. غير أن هذا التوازن لا يلغي حقيقة أن بعض القرارات الأساسية لا تزال تتأثر بعوامل خارجية.
إن التدخل الإيراني في الشأن العراقي، كما تكشفه زيارة قاآني واللقاءات التي أجراها، لا يمكن اختزاله في إطار الدعم السياسي أو التنسيق الإقليمي، بل يتجاوز ذلك ليشمل التأثير في إعادة تشكيل موازين القوى داخل النخبة الحاكمة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة النظام السياسي ومسار إنتاج السلطة فيه. وفي المقابل، تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا من نوع آخر، كما يظهر في موقفها من ترشيح نوري المالكي، وتهديدها بوقف الدعم في حال عودته إلى رئاسة الحكومة، وهو ما يعكس بدوره حضورًا دوليًا مؤثرًا في المشهد العراقي.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن العراق لا يعاني من غياب الدولة بقدر ما يعاني من تعدد مصادر التأثير على قرارها. فالدولة موجودة، ومؤسساتها قائمة، لكنها تعمل ضمن بيئة سياسية وأمنية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع الضغوط الخارجية، ما يجعل مفهوم السيادة في الحالة العراقية مفهومًا نسبيًا، يخضع لإدارة مستمرة، وليس معطى ثابتًا.
وفي ضوء هذا التحليل، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الدولة العراقية على الانتقال من سياسة “إدارة التوازنات” إلى سياسة “إعادة إنتاج السيادة”، عبر تقليص تعددية مراكز القوة، وتعزيز احتكار الدولة لقرارها الأمني والسياسي، وبناء توافق داخلي مستقل عن الإملاءات الخارجية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطًا بمتغيرات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الإرادة الوطنية، ما يجعل مسار السيادة في العراق مسارًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين التقدم التدريجي أو إعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تدفع إسبانيا ثمن تحولها إلى بوابة الصين في أوروبا؟ | مسائ


.. حصر السلاح في العراق.. لماذا تبدأ المعركة من جرف الصخر؟ | #ا




.. عاجل | ترامب: قريبا جدا سأعلن مضيق هرمز منطقة تابعة للولايات


.. نقاش الساعة | ترمب يهدد بتحويل مضيق هرمز إلى أرض أمريكية




.. تعنت إسرائيل يهدد مسار المفاوضات مع لبنان ومطالبات بضغط أمري