الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى خطاب رسمي

احمد البهائي

2026 / 4 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في لحظة يفترض أنها تحمل ثقلًا رمزيًا مرتبطًا بحدث عسكري وإنساني حساس، يتحول المنبر الرسمي إلى مسرح ارتباك ثقافي من العيار الثقيل. وزير حرب أكبر قوة عسكرية في العالم يقف في فعالية دينية، يستدعي نصًا يُفترض أنه كتابي، يرفعه في مقام القداسة، ثم يتبين لاحقًا أنه ليس من سفر حزقيال أصلًا، بل من مونولوج سينمائي كُتب في فيلم جريمة، صُمم أصلاً ليبدو “مقدسًا” على نحو ساخر ومبالغ فيه.
النص الذي تم تداوله باعتباره اقتباسًا من الكتاب المقدس ليس سوى إعادة صياغة درامية ظهرت في Pulp Fiction على لسان شخصية “جولز وينفيلد”، قبل تنفيذ عملية قتل. الفيلم نفسه لم يخترع الفكرة من فراغ بالكامل، لكنه أخذ روحًا دينية منتزعة من سياقها الأصلي، وركّب عليها طبقة من العنف الخطابي، لتخرج في النهاية كخطاب شبه مقدس… لكنه في الحقيقة محاكاة ساخرة لفكرة “الآية التي تبرر العنف”.
المفارقة هنا ليست في السينما. السينما تفعل ما تفعله دائمًا: تبالغ، تعيد التشكيل، وتلعب على حدود الرمزي والديني. المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه المادة من فضاء الفن إلى فضاء السلطة، دون أن يلتقط أحد الفارق بين النص الأصلي، والنص المُعاد إنتاجه، والنص المُتخيل أصلاً على أنه مقدس.
حين يُستدعى نص بهذا الشكل في خطاب رسمي، ثم يُقدَّم على أنه سفر من الكتاب المقدس، فنحن لا نتحدث عن “زلة اقتباس”، بل عن انهيار بسيط لكنه فاضح في الحد الأدنى من التحقق المعرفي. الأمر لا يحتاج إلى متخصص في اللاهوت، ولا إلى لجنة فحص نصوص، بل إلى بحث سريع يكتشف أن الآية 25:17 في سفر حزقيال لا تحتوي هذا البناء الخطابي المطوّل، ولا هذا الخطاب الملحمي الذي يشبه مونولوج انتقام سينمائي أكثر منه نصًا دينيًا.
وهنا يصبح المشهد أكثر عبثية: نص مُصنّع في فيلم، مستلهم جزئيًا من لغة دينية، يتحول عبر سلسلة من الاقتباس الثقافي إلى “آية”، ثم يُعاد تصديره إلى منصة رسمية بوصفه وحيًا. دائرة كاملة من التشويه، لا تحتاج إلى مؤامرة بقدر ما تحتاج إلى غياب الانتباه.
لكن المسألة أعمق من واقعة واحدة. هذا النوع من الخلط يكشف هشاشة مزمنة في العلاقة بين السلطة والنصوص الرمزية. حين يصبح الهدف هو “تضخيم الرسالة” لا التحقق من مصدرها، تصبح أي صياغة ذات نبرة دينية أو أخلاقية قابلة للاستخدام، سواء جاءت من كتاب مقدس، أو من سيناريو فيلم، أو حتى من خيال كاتب أراد فقط صنع لحظة درامية قوية.
والأخطر أن هذا النمط لا يقف عند حدود الرمزية. التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، حيث تُنتزع النصوص من سياقها، أو تُعاد صياغتها بالكامل، ثم تُستخدم لتبرير العنف أو منحه غطاءً أخلاقيًا. الفرق الوحيد هنا أن “المادة الخام” ليست نصًا دينيًا تم تحريفه، بل نصًا سينمائيًا لم يكن يدّعي القداسة أصلًا.
السخرية الثقيلة في المشهد أن النص الذي استُخدم لإضفاء طابع أخلاقي على خطاب رسمي عن العنف، هو نفسه نص صُمم أصلًا ليحاكي هذا النوع من الخطابات بطريقة نقدية غير مباشرة. أي أن الفيلم كان يلمّح إلى قابلية الخطاب “المقدس شكليًا” لأن يُستخدم في تبرير العنف، ثم جاء الواقع ليحوّل التلميح إلى تطبيق عملي، دون الحاجة إلى أي وعي بالسياق.
وفي الخلفية، يظل السؤال المزعج قائمًا: كم من الخطابات العامة التي تُبنى على نصوص لم يُتحقق من مصدرها أصلًا؟ وكم مرة يتم استبدال المعرفة بالإيحاء، والتحقق بالانطباع، فقط لأن الجملة تبدو “مناسبة” للهيبة المطلوبة؟
النتيجة ليست مجرد إحراج سياسي عابر، بل صورة مكثفة لعصر تختلط فيه المصادر بسهولة مخيفة، وتذوب فيه الحدود بين المقدس، والسينمائي، والدعائي، إلى درجة يصبح فيها الفرق بينها مجرد تفصيل لا يلتفت إليه أحد… حتى تقع الفضيحة في العلن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جامع فى مصر مستحيل يتهد.. وليه اللى يدخله يحس انه دخل المسجد


.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون




.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا


.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر




.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا