الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغربية
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2026 / 4 / 22
حقوق الانسان
هناك شيء ثقيل يسكن البيوت ولا يُرى. لا يُسجَّل في محاضر الشرطة، ولا يُروى كاملًا في جلسات العائلة، لكنه حاضر في التفاصيل الصغيرة: في نبرة صوت، في صمت طويل، في عينٍ اعتادت الانكسار حتى لم تعد تحتج. هناك نساء لا يعشن فقط تحت سقف واحد مع أزواجهن، بل يعشن داخل معادلة قاسية تجعل الألم جزءًا من اليومي، وتحوّل الإهانة إلى حدث عابر لا يستحق الوقوف عنده. والأغرب، أن بعضهن لا يكتفين بالصمت، بل يرفعن درع الدفاع عن نفس اليد التي تؤذيهن.
المفارقة هنا ليست سطحية، بل عميقة إلى حد الإرباك. كيف يمكن لامرأة أن تُهان، ثم تبرّر؟ أن تُجرح، ثم تدافع؟ أن تُسلب منها كرامتها، ثم تقول: “راه فيه الخير”؟ الجواب السهل هو اتهامها بالضعف، أو السذاجة، أو حتى الرغبة في الألم. لكن الواقع أعقد من هذا الحكم السريع، وأقسى.
ما يُسمّى بالمازوخية النفسية لا يظهر في حياتنا كما تصفه الكتب، بل يتخفّى في هيئة صبر مفرط، وتحمّل غير مشروط، وتبرير دائم لما لا يُبرَّر. هو ليس حبًا للألم بقدر ما هو اعتياد عليه، تكيّف معه، ثم إعادة تعريفه حتى يصبح مقبولًا. حين تعيش امرأة سنوات داخل علاقة مؤذية، يتغيّر معيارها الداخلي. لم تعد تقيس الأمور بما يجب أن يكون، بل بما اعتادت أن يكون. وهنا يبدأ الخلل: حين يصبح الطبيعي هو المؤلم، ويغدو الاستثناء هو الاحترام.
في الواقع المغربي، تتغذى هذه الحالة من تربة خصبة. تربية تُلقّن الفتاة منذ الصغر أن الصبر فضيلة مطلقة، وأن الحفاظ على البيت أهم من الحفاظ على الذات. نصائح جاهزة تُمرَّر من جيل إلى جيل: “صْبري راه الراجل هكا”، “الطلاق ماشي حل”، “المرأة خاصها تتحمّل”. ومع كل جملة من هذا النوع، تُضاف طبقة جديدة من القبول، حتى يصبح الرفض نفسه فعلًا غريبًا يحتاج إلى شجاعة غير مألوفة.
تدخل المرأة العلاقة وهي محمّلة بفكرة أن الزواج اختبار تحمّل، وأن الألم مرحلة عابرة ستنتهي بالصبر. لكن المرحلة تطول، والصبر يتحول إلى نمط حياة، ثم إلى قناعة، ثم—في حالات كثيرة—إلى دفاع مستميت عن الوضع نفسه. هنا لا تعود المسألة مجرد خوف من المجتمع أو من الوحدة، بل تتحول إلى ارتباط نفسي مع الألم ذاته، كأنه الشيء الوحيد المألوف في عالم متقلّب.
ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى، فإن العقل لا يترك هذا التناقض دون تفسير. فيبدأ بتلميع الصورة: “ماشي ديما خايب”، “كيعيّط ليا من الخدمة”، “كيضحك مع الدراري”. تفاصيل صغيرة تُستخرج من بحر كبير من الأذى، وتُقدَّم كأدلة على أن العلاقة “ما زالت بخير”. وهكذا، لا يتم إنكار الألم، بل يتم تقليصه، تحجيمه، ثم وضعه في خانة المقبول.
في لحظة ما، يحدث التحول الأكثر خطورة: حين تصبح الضحية حارسةً للسردية التي تؤذيها. تدافع عن الزوج، تغضب ممن ينتقده، ترفض أي تدخل خارجي، وتعتبر النصيحة تهديدًا لا إنقاذًا. هنا لم يعد الأمر مجرد صبر أو خوف، بل تماهٍ عميق مع العلاقة رغم سمّيتها. كأنها لم تعد ترى نفسها خارج هذا الإطار، أو لم تعد تؤمن بإمكانية حياة لا يكون فيها الألم جزءًا من الروتين.
هذا لا يعني أن كل امرأة تتحمل هي “مازوخية”، ولا أن كل علاقة صعبة هي مرض نفسي. التبسيط هنا ظلم مضاعف. هناك عوامل واقعية لا يمكن تجاهلها: تبعية اقتصادية، غياب سند عائلي، أطفال يُستخدمون كورقة ضغط، نظرة اجتماعية قاسية تجاه الطلاق، وإحساس داخلي بالعجز عن البدء من جديد. كل هذه العناصر تجعل البقاء خيارًا “أقل سوءًا” في نظر كثيرات.
لكن الخط الفاصل يظهر حين لا يعود الألم مجرد شيء يُحتمل، بل شيء يُدافع عنه. حين تتحول الإهانة إلى أمر مفهوم، والعنف إلى “طبع”، والكرامة إلى تفصيل يمكن تأجيله. هنا، لا نتحدث فقط عن علاقة مختلة، بل عن وعيٍ أعاد تشكيل نفسه ليتعايش مع ما كان يجب أن يرفضه.
المشكلة لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى نظرتنا الجماعية. مجتمع يصف الصبر دون أن يحدد حدوده، ويمجّد التحمل دون أن يسأل: إلى متى؟ ويطلب من المرأة أن “تحافظ على بيتها” دون أن يسأل إن كان هذا البيت يحافظ عليها. في مثل هذا السياق، يصبح الألم عاديًا، والاعتراض مبالغًا فيه، والخروج من العلاقة مغامرة محفوفة بالحكم قبل أي شيء آخر.
ربما لا نحتاج إلى تشخيصات معقّدة بقدر ما نحتاج إلى إعادة طرح السؤال البسيط: متى يصبح الصبر خيانة للنفس؟ ومتى يتحول التحمّل من قوة إلى قيد؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن يؤذيك أحد… بل أن تتعلم كيف تبرر ذلك الأذى، وتدافع عنه، وتمنحه اسمًا آخر غير اسمه.
هناك نساء لا يحتجن إلى من يلومهن، بل إلى من يعيد لهن تعريف الأشياء كما هي: أن الإهانة إهانة، ولو تكررت حتى صارت عادية. وأن الكرامة ليست ترفًا، بل شرطًا لأي علاقة تستحق أن تُعاش. وأن الخروج من دائرة الألم ليس ضعفًا… بل أول خطوة نحو استعادة النفس التي ضاعت في الطريق. #المجتمع_المغربي #العنف_الأسري #المرأة_المغربية #الكرامة #الوعي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. خليل الحية: سنواصل التحرك في كل المسارات من أجل غزة والضفة و
.. أراد المغربي #عبدالرحيم_فقير الحياة فقابلته الشرطة الإيطالية
.. الضفة الغربية.. فلسطينيون يروون للجزيرة تعرضهم للاعتقال بعد
.. جدري الماء يفتك بأطفال النازحين في غزة وسط تدهور الأوضاع الص
.. المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان توثق انتهاكات العدوان الإيراني