الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 4 / 22الادب والفن
يا هذا، ما بالُك تُحدِّق في سيرةٍ كأنها نُسجت من طينٍ وماء، ثم أُضرمت فيها نارُ الأسفار حتى صارت رمادًا يلمع؟ أتحسب أن الحكاية تُروى كما تُروى أخبار السوق، أم أنك تقرؤها كما يُقرأ وجهُ الغريب حين يمرُّ فلا يُسلَّم عليه؟ إنك إن نظرت إلى محمد حيّاوي بعين الخبر، فاتك سره، وإن نظرت إليه بعين العبرة، لاح لك ما وراء السطر من انكسارٍ وانتصار. وُلِد الرجل في الناصرية، في ربيعٍ كان الماء فيه يهمس للطين، والطين يردُّ الهمس بالسكينة. هناك حيث الجنوب العراقي، حيث الشمس تُعطي ولا تسأل، وحيث الفقر يُعلِّم أبناءه كيف يكتبون على جلودهم بدل الورق. فشبَّ هذا الفتى، لا يملك من الدنيا إلا عينًا ترى ما لا يُرى، وقلبًا يضيق بما يُقال ويتسع لما لا يُقال. أفتظن أن الميلاد مجرد تاريخ؟ بل هو أول امتحانٍ للغريب في وطنه، إذ يولد بين قومه فلا يكون منهم تمامًا، ولا يكون عنهم بعيدًا تمامًا. تخرّج في معهد الإدارة، كأنما أُريد له أن يدخل أبواب النظام، وأن يلبس ثوب الأرقام والملفات. غير أن الروح، يا هذا، إذا خُلِقت للسرد، ضاقت بالجداول، وإذا نُفِخت فيها ريح الحكاية، عصت على الحصر والتقييد. فمال إلى الصحافة الثقافية، وهناك وجد ما يشبهه، أو ما يظنه يشبهه. كتب، وحرر، وصاغ الكلمات كما يُصاغ الذهب، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن الحرف لا يُنقذ صاحبه، بل يُورطه أكثر في مساءلة الوجود.
ثم كانت القصة، تلك التي سُمّيت "الكائن الغريب"، وكأن الاسم قد سبق صاحبه إلى قدره. فاز بها، نعم، ولكن أي فوزٍ هذا الذي يكشف لك أنك لست من هذا العالم إلا بمقدار ما تنكره؟ لقد نال الجائزة، ولكن الجائزة الحقيقية كانت ذلك الشعور الخفي بأن الكتابة ليست طريقًا إلى المجد، بل طريقٌ إلى العزلة. وأصدر "ثغور الماء"، كأنما أراد أن يجعل للماء أفواهًا تنطق، وأن يُعلِّم الصمت كيف يُفصح. ثم كتب "فاطمة الخضراء"، فكانت تلك الرواية كأنها شجرةٌ نبتت في أرضٍ لا تحتمل الخضرة. ففازت، ثم مُنعت، وكأن اليد التي تُصفق هي نفسها التي تصفع. يا هذا، أتعجب من ذلك؟ إن العالم، كما قال الحكماء، لا يثبت على حال، وهو يُكرمك ليختبر صبرك، ويقصيك ليختبر ثباتك. أما "غرفة مضاءة لفاطمة"، فهي ليست غرفة، بل قلبٌ مفتوح على حزنٍ لا ينطفئ. ثم جاءت "طواف متصل"، وكأن الكاتب يدور حول جرحه لا يبرحه. فاز مرة أخرى، لكنه كان يدرك أن الفوز لا يُعيد له ما فقد، ولا يُسكن ما اشتعل فيه. ثم كتب للأطفال، كأنه أراد أن يلوذ بالبراءة، أو أن يُرمِّم ما تهدَّم في داخله. فالأطفال، يا هذا، ليسوا صغارًا كما نظن، بل هم مرايا نرى فيها ما فقدناه من نقاء. غير أن البراءة لا تُنقذ من قدرٍ إذا نزل، ولا تردُّ غربةً إذا استحكمت.
ثم كانت الرحلة، تلك التي تبدأ بخطوة وتنتهي بلا نهاية. غادر العراق في عامٍ كانت فيه البلاد تضيق بأبنائها، كأن الأرض نفسها ضاقت بما حُمِّلت من دمٍ وذكرى. أقام في الأردن، وعمل، وكتب، لكنه كان يعلم أن الإقامة ليست استيطانًا، وأن العمل ليس استقرارًا. ثم مضى إلى هولندا، لا سائحًا ولا مختارًا، بل لاجئًا، واللاجئ يا هذا، هو الغريب الذي لا يملك حتى حق الغربة. وهناك، في أمستردام، تعلَّم لغةً ليست لغته، ورسم حروفًا ليست حروفه، ودرس البنية المعمارية للحرف اللاتيني، كأنه أراد أن يُعيد بناء نفسه من جديد. لكن هل يُعاد بناء الإنسان كما تُبنى الحروف؟ أم أن في الداخل شيئًا يظلُّ مكسورًا مهما استقام الشكل؟ عمل في الصحافة، في السينما، في التصميم، كأنما كان يطارد صورته في مرايا متعددة. وشارك في لجان التحكيم، ورأس تحرير مجلة، وصار عضوًا في اتحاد الكتّاب الهولنديين. يا هذا، أترى هذا صعودًا؟ أم تراه دورانًا في حلقةٍ لا تُفضي إلى قرار؟ إن الغريب قد يبلغ المناصب، لكنه لا يبلغ الطمأنينة. ثم كتب "خان الشابندر" و"بيت السودان"، وكأن الأمكنة عنده لم تعد مجرد جغرافيا، بل صارت ذاكرةً تمشي على قدمين. وكتب "طائر يشبه السمكة"، يا للعجب، طائرٌ يشبه السمكة، أليس هذا وصفًا للغريب نفسه؟ كائنٌ لا ينتمي تمامًا إلى السماء ولا إلى الماء، معلقٌ بين حالين، لا يستقر في أحدهما. ثم "سيرة الفراشة"، والفراشة يا هذا، لا تعيش طويلًا، لكنها تعيش بامتلاء. أهي صورة للكاتب، أم أمنية له؟ أن يحيا قليلًا، لكن بصدق، وأن يترك أثرًا وإن كان هشًّا.
يا هذا، إن محمد حيّاوي ليس مجرد كاتب، بل هو مثالٌ لذلك الغريب الذي وصفه الحكماء ولم يُدركوه. هو الذي إن حضر لم يُعرف، وإن غاب طُلب. هو الذي إن كتب قرأ الناس كلماته ولم يقرؤوه. هو الذي إن نطق سُمع صوته ولم يُفهم صمته. وقد قيل إن الغريب من جفاه الحبيب، وأنا أقول إن الغريب من كَثُرَ أحبابه ولم يجد بينهم مأواه. الغريب من صفقوا له في القاعات، ثم تركوه في الطرقات. الغريب من تُرجمت كلماته إلى لغاتٍ شتى، وبقيت روحه بلا ترجمة. يا هذا، إنك إن قرأت سيرة هذا الرجل قراءة سطحٍ، رأيت نجاحًا وتنقلًا واعترافًا. وإن قرأتها قراءة عمقٍ، رأيت فقدًا مستمرًا، وحنينًا لا يُشفى، وسؤالًا لا يُجاب. فهو ابن الناصرية وإن ابتعد، وهو ساكن أمستردام وإن لم يستقر. بين ماء الجنوب وضباب الشمال، تاهت خطاه، لكنه لم يتوقف عن الكتابة. ولعل الكتابة عنده لم تكن اختيارًا، بل ضرورة. كمن يتنفس لا لأنه يريد، بل لأنه إن لم يفعل اختنق. فالحرف عنده هو الوطن البديل، واللغة هي الملاذ، والورق هو الأرض التي لا تُنفى منها. يا هذا، إنك إن أردت أن تفهم حيّاوي، فلا تسأل عن تواريخه، بل عن صمته. لا تسأل عن جوائزه، بل عن خيباته. لا تسأل عن كتبه، بل عن تلك اللحظة التي قرر فيها أن يكتب رغم كل شيء. فالغريب، كما قيل، ليس من ابتعد عن وطنه، بل من لم يجد وطنه حيث هو. ومحمد حيّاوي، في كل ما كتب، إنما كان يبحث عن وطنٍ لا يُصادر، ولا يُمنع، ولا يُترك خلف الحدود. يا هذا، إن هذه السيرة، وإن بدت لك حكاية رجل، فهي في حقيقتها مرآة جيلٍ كامل، حمل حقيبته ومضى، ولم يعد. جيلٌ كتب ليبقى، لكنه بقي ليكتب فقط. فانظر، وتأمل، ولا تعجل بالحكم. فإن في كل غريبٍ وطنًا مفقودًا، وفي كل كاتبٍ صرخةً مؤجلة، وفي كل سطرٍ حنينًا لا ينتهي. وهكذا يمضي حيّاوي، لا إلى نهاية، بل إلى مزيدٍ من السؤال. يكتب، كأنما ينجو، ويصمت، كأنما يغرق. وبين الكتابة والصمت، تتأرجح حياته، كما تتأرجح الفراشة بين الضوء والاحتراق. فيا هذا، إن لقيت غريبًا، فلا تسأله من أين جاء، بل اسأله ماذا فقد. فإن أجابك، فذاك صادق، وإن صمت، فذاك أصدق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نبيلة عبيد: أحمد زكي بيندمج جدًا.. وحصلت بيننا مشادة في فيلم
.. مصر فين في سوق الإعلانات؟ المخرج شريف منير يكشف ترتيب الإعلا
.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا
.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني
.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية