الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط الاستراتيجي

حسين علي محمود

2026 / 4 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


ما يجري في ملف المفاوضات الأمريكية الإيرانية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد جولة تفاوضية عادية بين واشنطن وطهران، بل هو أقرب إلى لعبة شد أعصاب متعددة الطبقات تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد السياسي وتصاغ ملامحها عبر إدارة دقيقة للوقت والضغط والرسائل المتبادلة.
في الظاهر يبدو قرار ترامب بتمديد المهلة خطوة دبلوماسية تمنح إيران فرصة إضافية للرد لكن في العمق يمكن تفسيره كجزء من تكتيك مركب يهدف إلى إعادة تشكيل بيئة القرار الإيراني.
فالتمديد هنا لا يقدم كتنازل، بل كأداة ضغط ناعمة يرفع كلفة الرفض الإيراني دون اللجوء المباشر إلى التصعيد ويمنح واشنطن في الوقت نفسه مساحة لإعادة التموضع عسكرياً واستخباراتياً في المنطقة.
تتحول الجغرافيا ضمن هذا الإطار إلى عنصر ضغط بحد ذاته خصوصاً في ما يتعلق بمضيق هرمز الذي يشكل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية.
كما ان الإبقاء على إغلاقه أو حتى التهديد المستمر بذلك لا يعني فقط خنق الاقتصاد الإيراني، بل أيضاً إدخال الأسواق العالمية في حالة ترقب تستخدم بدورها كورقة ضغط إضافية.
وهنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد حيث كل يوم يمر تحت هذه المعادلة يعني استنزافاً مالياً لإيران يقدر بمئات الملايين مقابل استنزاف سياسي تدريجي لقدرتها على المناورة.
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو طبيعة النظام الإيراني ذاته حيث لا يمكن اختزال القرار في مؤسسة واحدة رغم الثقل الحاسم الذي يمتلكه الحرس الثوري الإيراني.

اما عن الانقسام الداخلي في المنظومة السياسية الايرانية والذي تحدث عنه ترامب "بناء على طلب رئيس الأركان الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، طلب منا تأجيل هجومنا على إيران إلى حين يتوصل قادتها وممثلوها إلى مقترح موحد".
هذا الانقسام بين جناحين أحدهما يميل إلى التفاوض والآخر إلى التصعيد قد يكون ليس بالضرورة انعكاساً لصراع حقيقي بقدر ما هي تعبير عن توزيع أدوار داخل بنية النظام.
يمكن قراءة ما يسمى بالانقسام في هذا الجانب بوصفه أداة تفاوضية بحد ذاتها، فإظهار وجود تيار براغماتي يسعى للحوار مقابل تيار متشدد يرفضه قد يمنح طهران قدرة على المناورة وهي تلوح للغرب بإمكانية صعود التيار المتشدد في حال لم تقدم تنازلات وفي الوقت نفسه تبرر تشددها التفاوضي أمام جمهورها الداخلي.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة وقد برزت بوضوح خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حيث استطاعت طهران استثمار هذا التباين لانتزاع مكاسب تفاوضية ملموسة.
غير أن السياق الحالي مختلف، فالإدارة الأميركية أو على الأقل الخطاب السياسي المرتبط بها لم تعد تتعامل مع هذا الانقسام بوصفه عاملاً يجب استثماره دبلوماسياً، بل كدليل على ضعف بنيوي يمكن تعميقه.
وبمعنى آخر لم يعد الهدف احتواء إيران عبر التفاوض، بل دفعها إلى حافة الاختيار القسري بين مسارين كلاهما مكلف إما العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أقرب إلى الإملاء أو الانزلاق نحو التصعيد الذي يمكن استخدامه كذريعة لعمل عسكري.
هنا تبرز معضلة القرار الإيراني، فخرق وقف إطلاق النار إن حدث لن يكون مجرد خطوة عسكرية، بل إعادة تموضع سياسية تُحمِّل طهران مسؤولية التصعيد أمام المجتمع الدولي.
وفي المقابل فإن القبول بالمفاوضات وفق الشروط الأميركية قد يفسر داخلياً كتنازل يمس صورة النظام وهيبته، أما الخيار الثالث أي الاستمرار في الوضع الحالي فهو الأكثر استنزافاً على المدى المتوسط لأنه يجمع بين الضغط الاقتصادي والعزلة السياسية دون تحقيق مكاسب واضحة.
اللافت في هذا المشهد هو أن الوقت نفسه تحول إلى سلاح، فكلما طال أمد التمديد زادت الضغوط على إيران، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً من حيث تآكل قدرتها على التحكم بالمسار السياسي التفاوضي.

إذ يمكن لواشنطن أن تقدم نفسها كطرف صابر منح الفرص، في مقابل طرف متعنت أضاعها وهو ما يمهد نفسياً وسياسياً لتقبل أي تصعيد لاحق سواء كان محدوداُ أو واسع النطاق.
يمكن القول إن واشنطن تحاول إعادة إنتاج نموذج الضغط الأقصى ولكن بصيغة أكثر تعقيداً ليست مجرد عقوبات اقتصادية، بل مزيج من الضغط المالي والتهديد العسكري وإدارة السردية الدولية واستثمار الانقسامات الحقيقية أو المفترضة داخل الخصم.
في المقابل تحاول طهران اللعب على حافة الهاوية عبر الحفاظ على مستوى محسوب من التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ولكن بشروطها.
لم تتحدد النتيجة النهائية لهذا الاشتباك بعد لكنها تتجه نحو أحد مسارين، إما إعادة صياغة توازن جديد عبر تفاوض قسري، أو انفجار محسوب يعاد من خلاله رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
وفي كلا الحالين يبدو أن ما يدار ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة إعادة تشكيل في بنية التوازن الإقليمي حيث تختبر القوى الكبرى حدود القوة وتعيد الدول الإقليمية تعريف أدوارها تحت ضغوط الوقائع المتسارعة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ


.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي




.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة


.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي




.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو