الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في سردية الفقد والهوية

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 4 / 23
الادب والفن


في نص حميد قاسم، لا نكون بإزاء شهادة حرب فحسب، بل أمام بناء سردي يتخفّى في هيئة رثاء، ويتحوّل عبر اللغة إلى فضاء رمزي كثيف تتقاطع فيه البراءة بالعنف، والصوت بالصمت، والحياة بالموت. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص في ضوء نظرية تزفيتان تودوروف تتيح لنا تفكيك بنيته العميقة، لا بوصفه خطاباً انفعالياً، بل بوصفه نظاماً سردياً قائماً على تحوّلات دقيقة، حيث تتوالد الدلالة من اختلال التوازن واستحالته إلى مأساة وجودية. تقوم النظرية السردية عند تودوروف على مبدأ جوهري، هو أن كل سرد ينطلق من حالة توازن أولى، تتعرض لخلل، ثم تسعى إلى استعادة توازن جديد، قد يكون مماثلاً أو مختلفاً. وإذا أسقطنا هذا النموذج على نص حميد قاسم، فإننا نجد أن التوازن الأول لا يُقدَّم بوصفه واقعاً مستقراً، بل بوصفه مفقوداً منذ البداية، مستحضراً عبر الذاكرة لا عبر الحضور. إن صورة "ارزيج" في الناصرية، الفتى الذي يحلم بالغناء والحب، تمثل ذلك التوازن الضائع، حيث العالم لا يزال قابلاً للعيش، وحيث الصوت ليس صرخة، بل نغمة.
غير أن هذا التوازن لا يُسرد بشكل مباشر، بل يأتي عبر الاسترجاع، أي عبر تقنية سردية تجعل الماضي هو الأصل، والحاضر هو الانحراف. هنا تتجلى إحدى آليات تودوروف في توزيع المعرفة السردية: فالقارئ لا يدخل إلى العالم من نقطة الصفر، بل من نقطة الانكسار. إننا نعرف منذ البداية أن ثمة فقداً قد وقع، وأن النص ليس إلا محاولة لاستعادته أو تأبينه. يحدث الاختلال المركزي حين يُنتزع "ارزيج" من عالمه الطبيعي إلى فضاء الحرب. هذا الانتزاع لا يُقدَّم بوصفه انتقالاً، بل بوصفه اقتلاعاً قسرياً، أشبه بما يسميه تودوروف "الحدث المُخلّ بالنظام". فالبندقية التي تُعطى له ليست أداة دفاع، بل علامة على تفكك الهوية، إذ يُطلب منه أن يستبدل صوته الغنائي بصوت الرصاص. وهنا ينشأ التوتر الأساسي في النص: صراع بين نظامين دلاليين، نظام الغناء ونظام الحرب. في هذا السياق، يتحول "ارزيج" إلى ما يشبه "الفاعل السردي" الذي يحمل داخل بنيته تناقضاً لا يمكن حله. فهو جندي، لكنه لا يتصرف كجندي؛ وهو مغنٍّ، لكن صوته يُلقى في فضاء لا يعترف بالغناء. هذا التوتر بين الدور المفروض والهوية الحقيقية يخلق دينامية سردية عميقة، حيث يصبح الغناء نفسه فعلاً مقاوماً، لا مجرد تعبير جمالي.
تتجلى عبقرية النص في كيفية إدارة هذا التوتر. فبدلاً من أن يتخلى "ارزيج" عن الغناء، يُصرّ عليه، حتى في أقسى لحظات الرعب. إن تكرار فعل "يغني" لا يؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل يخلق إيقاعاً سردياً بديلاً عن إيقاع الحرب. وكأن النص يقترح نظاماً زمنياً موازياً، حيث الزمن لا يُقاس بعدد القذائف، بل بعدد الأغاني. وهنا نصل إلى لحظة الذروة، التي تمثل في نموذج تودوروف أقصى درجات الاختلال: لحظة قطع الرأس. غير أن هذه اللحظة، بدلاً من أن تنهي السرد، تفتحه على أفق غرائبي، حيث يستمر الرأس في الغناء. إننا هنا أمام انزياح من الواقعي إلى العجائبي، وهو ما تناوله تودوروف في دراسته عن الأدب الغرائبي، حيث يتردد القارئ بين تفسيرين: هل ما يحدث ممكن أم مستحيل؟ غير أن النص لا يترك هذا التردد مفتوحاً، بل يدفعنا نحو تأويل رمزي: إن استمرار الغناء بعد الموت ليس حدثاً فيزيائياً، بل دلالة على أن الصوت، بوصفه جوهر الإنسان، يتجاوز الجسد. وهنا يتحول "ارزيج" من شخصية إلى رمز، ومن فاعل سردي إلى دلالة ثقافية، تمثل مقاومة الجمال للعنف. في ضوء هذا، يمكن القول إن التوازن الجديد الذي يصل إليه النص ليس توازناً بالمعنى التقليدي، بل هو توازن مأساوي، حيث لا يُستعاد النظام القديم، بل يُعاد تعريفه. فالحياة لا تنتصر على الموت، لكن الصوت ينتصر على الصمت. وهذه النقلة من البيولوجي إلى الرمزي تمثل جوهر التحول السردي في النص.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة النص بوصفه إعادة توزيع للأدوار السردية. فالقناص، الذي يُفترض أن يكون فاعلاً مركزياً، يظل هامشياً، بلا اسم ولا صوت، في حين يحتل "ارزيج" مركز السرد، رغم ضعفه الظاهري. وهذا الانزياح في مركزية الفعل يعكس موقفاً أخلاقياً ضمنياً: فالقوة لا تكمن في القدرة على القتل، بل في القدرة على الغناء. كما أن النص يعيد تعريف مفهوم "الوطن"، الذي يُقدَّم في الخطاب الرسمي بوصفه مبرراً للحرب، لكنه في النص يظهر كذريعة لاغتصاب الحياة. إن الجملة "هذا وطنك، دافع عنه" تُقدَّم بسخرية مريرة، تكشف التناقض بين الخطاب والواقع. وهنا يتقاطع التحليل السردي مع البعد الإيديولوجي، حيث يصبح النص نقداً لبنية السلطة التي تُعيد إنتاج العنف باسم القيم. أما على مستوى اللغة، فإن النص يعتمد على اقتصاد تعبيري كثيف، حيث تتجاور الصورة الشعرية مع التفاصيل الواقعية. إن صوت "تشششش" الناتج عن سقوط الشظية في الطعام ليس مجرد تفصيل حسّي، بل علامة على اختراق الموت للحياة اليومية. وهذا التداخل بين العادي والمأساوي يعمّق أثر النص، ويجعل القارئ يعيش التجربة لا يكتفي بفهمها.
يمكن القول إن نص حميد قاسم يحقق، عبر أدوات سردية دقيقة، ما يمكن تسميته "انتصار المعنى على الحدث". فالموت، رغم حضوره الطاغي، لا يُنهي الحكاية، بل يمنحها بعداً آخر. و"ارزيج"، الذي يُفترض أن يكون ضحية، يتحول إلى بطل رمزي، لا لأنه انتصر في المعركة، بل لأنه رفض أن يتخلى عن صوته. بهذا المعنى، فإن النص لا يعيد إنتاج سردية الحرب، بل يفككها، ويقترح بديلاً إنسانياً، حيث الكرامة لا تُقاس بالبقاء، بل بالقدرة على الحفاظ على الذات. ومن خلال هذا التحول، ينجح النص في تجاوز حدوده الواقعية، ليصبح تأملاً في معنى الإنسان ذاته. وهنا، في الصرخة الأخيرة "يا يمّه"، يبلغ السرد ذروته الدلالية، حيث تتكثف كل التحولات في نداء واحد، يعيدنا إلى التوازن الأول، لا بوصفه حالة، بل بوصفه حنيناً. إن الأم، التي كانت غائبة عن السرد، تصبح حضوره الأعمق، كأن الصوت، في نهايته، لا يعود إلى الوطن، بل إلى الأصل. وهكذا، يكتمل القوس السردي، لا بإغلاق، بل بانفتاح، حيث يبقى الغناء معلقاً بين الأرض والذاكرة، شاهداً على أن ما يُنتزع بالقوة، قد يُستعاد بالصوت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات