الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2026 / 4 / 23
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


حين أقدم جندي إسرائيلي قبل أيام على تحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل جنوب لبنان، لم يكن الأمر مجرد حادثة عابرة في سياق نزاع مفتوح، بل واقعة تمس رمزًا دينيًا لدى مئات الملايين من المؤمنين حول العالم. فمثل هذه الأفعال لا يمكن قياسها بحجمها المادي فحسب، بل بما تتركه من أثر معنوي يتجاوز المكان والزمان.
وعلى هذا الأساس، جاء الاستنكار الذي صدر عن مسؤولين ووسائل إعلام إسرائيلية سريعًا وواضحًا، مع التأكيد أن ما جرى "لا يمثل الدولة". غير أن هذا الخطاب، على أهميته، يفتح باب تساؤلات مشروعة لدى من يتابعون عن قرب ما يجري يوميًا في المنطقة: هل يكفي توصيف الفعل بأنه فردي، أم أن تكرار حوادث تمس رموزًا دينية، في أكثر من سياق، يستدعي قراءة أوسع للسلوك والسياق معًا؟
في هذا الإطار، ترى شريحة من المتابعين أن بيانات الشجب الرسمية لا يمكن قراءتها فقط بوصفها إدانة للفعل، بل أيضًا كجزء من الحرص على صورة إسرائيل على الساحة الدولية، لا سيما عندما يقترن تسارع الإدانة بغياب إجراءات رادعة بالقدر نفسه على الأرض.
ولا يطرح هذا التساؤل في فراغ. ففي القدس، على سبيل المثال، لا تبدو حوادث الإساءة لرجال دين مسيحيين منفصلة عن هذا المشهد. فقد أظهرت مقاطع مصورة وتقارير إعلامية خلال الفترة الماضية قيام مستوطنين بالبصق باتجاه كهنة ورهبان أثناء مرورهم في أزقة البلدة القديمة، وتحديدًا في محيط حارة النصارى. وقد أثارت هذه الوقائع انتقادات كنسية ودبلوماسية، تبعتها بيانات استنكار رسمية، غير أن تكرارها، وفق ما هو موثق، أبقى النقاش مفتوحًا حول مدى كفاية الردع والإجراءات المتخذة.
وفي موازاة ذلك، يشير باحثون ومراقبون إلى وجود قراءات دينية متشددة لدى بعض التيارات الهامشية، تتضمن مواقف سلبية تاريخية من السيد المسيح وأتباعه. ورغم أن هذه القراءات لا تعبر عن مجمل التراث الديني اليهودي ولا عن مواقف كثير من الحاخامات والمؤسسات الدينية التي ترفض الإساءة إلى الرموز الدينية، فإن حضورها، حتى وإن كان محدودًا، يتم استحضاره أحيانًا في تفسير بعض هذه السلوكيات، خاصة مع تكرارها في سياقات متقاربة.
ومن زاوية أخرى، ولحماية مشاعر الجمهور من التعرض للمساس، برزت مؤخرًا حادثة مختلفة في سياقها لكنها متصلة بهذا المفهوم، إذ تم اعتقال عاملين عربيين في البلدة القديمة بالقدس على خلفية عدم توقفهما عن العمل أثناء إطلاق صافرة إحياء ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي. وحسب ما نشر، وجهت إليهما شبهة "المساس بمشاعر الجمهور"، وهو توصيف قانوني يستخدم في مثل هذه الحالات. وهنا تفتح المقارنة بين هذه الحالات بابًا أوسع للنقاش حول اتساق المعايير. فالمسألة لا تتعلق بالمساواة بين وقائع مختلفة بقدر ما ترتبط بكيفية تعريف "الإساءة"، ومن يملك حق تحديدها، وكيف تترجم هذه التعريفات إلى إجراءات على الأرض، ومن هي الفئة المحمية مشاعرها من مثل هذه الإساءة خلافًا لمشاعر بقية الفئات من المجتمع.
يذكر أن حادثة تحطيم التمثال نفسها لم تقع في عزلة تامة، بل جرت بحضور جنود آخرين، بعضهم قام بتوثيق ما حدث. هذا المعطى، وإن كان لا يسمح بإطلاق أحكام قاطعة، إلا أنه يعزز التساؤل حول البيئة التي يمكن أن تسمح بوقوع مثل هذا الفعل دون تدخل فوري.
في المحصلة، لا تكمن خطورة هذه الحوادث في وقوعها فحسب، بل في ما تثيره من أسئلة تتجاوزها: أسئلة حول حدود "الفعل الفردي"، ومعايير المساءلة، واتساق الخطاب مع الممارسة. وبين الإدانة الرسمية والواقع الميداني، تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، خصوصًا لدى من يعيشون يوميًا تداعيات هذا الواقع ويقرؤون تفاصيله خارج البيانات الرسمية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر


.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا




.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا


.. مدينة مشهد.. المحطة الأخيرة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الإ




.. نهاية العالم في المسيحية والاسلامية