الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
يوم الكتاب بصحبة نيتشه
عزالدين محمد ابوبكر
2026 / 4 / 24قضايا ثقافية
بمناسبة اليوم العالمي للكتاب، وفي ظل احتفاء العالم بسحر الكلمة وقوة الفكر، نغوص في أعماق مفهوم "القراءة" لدى واحد من أعظم فلاسفة التاريخ، وهو فريدريك نيتشه، هذا المفكر الألماني الذي لم يسعَ يوماً لهدم القيم الإنسانية النبيلة، بل كان يدعو دوماً إلى تجديد الروح وإعادة إحياء العقل والوجدان، بما يتناغم مع البحث عن التميز والارتقاء بالنفس، وهو ما يتقاطع مع فطرة المصريين التواقين دوماً للمعرفة العميقة التي تعمر الأرض والنفوس.
نيتشه، ذلك الفيلسوف الذي عاش حياته متأملاً في مصير الثقافة الإنسانية، لم يركز في فلسفته على الماديات الزائلة، بل صبَّ اهتمامه على كيفية صناعة إنسان قوي بفكره وأخلاقه، إنسان لا ينقاد وراء السطحية بل يغوص في معاني الوجود. وفي كتابه "عن مستقبل مؤسساتنا التعليمية"، يضع لنا دستوراً أخلاقياً للقراءة الجادة، لا يتعارض أبداً مع قيمنا الأصيلة التي تقدس العلم والسكينة والتأمل، بل يشجعنا على نبذ العجلة والزحام المادي الصاخب.
ويحدد نيتشه ثلاث صفات جوهرية للقارئ الحقيقي، أولها "الهدوء والسكينة". فالقراءة بالنسبة له ليست مجرد عملية آلية لمسح الحروف، بل هي طقس يتطلب وقتاً طويلاً وتدبراً عميقاً، وفي عالمنا السريع، يذكرنا نيتشه بضرورة أن "يملك القارئ وقتاً"، وألا يقيس قيمة الكتاب بالسرعة التي ينهيه بها، بل بمقدار الأثر الذي يتركه في وجدانه، تماماً كما يتأمل المصري القديم أسرار الحياة والخلود في جدران معابده العظيمة بصبر وفهم.
أما الصفة الثانية، فهي "التجرد من الانحيازات الشخصية"؛ حيث يدعو نيتشه القارئ ألا يقحم ثقافته الخاصة المسبقة ليحاكم بها النص، بل أن يمنح نفسه فرصة الاستماع لصوت المؤلف بإنصاف، وهذا التواضع المعرفي هو مفتاح التعلم الحقيقي؛ فالإنسان الذي يدعي الكمال الثقافي لن يتعلم شيئاً جديداً. القراءة الحقيقية هي حوار صامت بين روحين، تقتضي منا أن نترك مساحة للاختلاف ولرؤية العالم من زوايا جديدة تعزز من فهمنا الشامل للواقع الإنساني.
الصفة الثالثة والأهم هي "عدم انتظار النتائج السريعة"، لأن نيتشه لا يقدم معادلات جاهزة أو حلولاً سحرية بضغطة زر، بل يقدم "تأملات" تحتاج لمن يقرأ ما بين السطور، وهو يرفض التعليم الذي يحول الإنسان إلى مجرد آلة تحفظ القواعد لتفرغها في الامتحانات، وبدلاً من ذلك، يدعو إلى تعليم يبني "الثقافة الروحية" التي تجعل الفرد قادراً على مواجهة الحياة بحكمة وشجاعة، وهو ما نحتاجه اليوم لإعداد أجيال واعية ومثقفة.
نيتشه يرى أن القراءة "تسلية ممتعة" للعقل الراقي، وليست مجرد وسيلة لكتابة النقد أو الجدال العقيم، وإن القارئ الذي يعشقه نيتشه هو ذلك الذي يضع الكتاب جانباً ويظل يفكر فيما قرأه لساعات، يحلل، ويقارن، ويستلهم. هذا النوع من "المسرفين العبثيين" في الوقت هم في الحقيقة أغنى الناس، لأنهم يمتلكون رفاهية التأمل في مستقبل الإنسانية، وهم الذين يبنون جسوراً بين عظمة الماضي وتطلعات المستقبل بنظرة ثاقبة وروح نقية.
وفلسفة نيتشه تدور حول "بناء الإنسان"، وهي فلسفة تلهمنا في يوم الكتاب العالمي أن نعيد النظر في علاقتنا بالمكتبة، نيتشه ليس "مدمر القيم" كما يشاع خطأً، بل هو "بشير" يدعو النخب الصادقة والمفكرين السامين للخروج من عزلتهم للمشاركة في معركة الوعي، وإنه ينادي كل من يشعر بفساد الذوق العام أن يتمسك بجمال الفكر والكلمة، تماماً كما يتمسك المصري بجذوره الثقافية الضاربة في أعماق التاريخ، متميزاً بأصالته.
إننا في مصر، وبما نملكه من رصيد حضاري هائل، ندرك أن القراءة هي حصننا الأخير ضد "الهمجية الحديثة" التي حذر منها نيتشه. تلك الهمجية التي تجعل الإنسان عبداً للمادة والسرعة السطحية. لذا، دعونا في هذا اليوم نتعهد بأن نكون "قراء نيتشه الهادئين"، الذين يجدون في الكتاب ملاذاً، وفي الفلسفة طريقاً للارتقاء، وفي التأمل وسيلة لتحقيق كرامة الإنسان، لنصنع مستقبلاً يليق بأمة علمت العالم يوماً كيف يمسك بالقلم ويكتب.
ختاماً، إن الاحتفال باليوم العالمي للكتاب هو دعوة للتوقف عن الهرولة المجنونة خلف الشاشات والعودة إلى رائحة الورق وعمق المعنى. وكما قال نيتشه، فإن هذا الكتاب "بشيركم"، والكلمة الصادقة هي السلاح الأقوى في معركة العقل. فلنكن جادين في خدمتنا لثقافة متجددة ومطهرة، ولنجعل من القراءة فعلاً يومياً يعيد صياغة وعينا، ويحفظ هويتنا، ويرتقي بأرواحنا نحو آفاق أرحب من المعرفة والجمال، في ظل وطن يبني ويقرأ ويستنير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة