الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل هذا موعد استحقاق... أم لحظة إنكار ؟

رمزي عطية مزهر

2026 / 4 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


عشرون عاما مرت، والحديث عن “الاستحقاق الديمقراطي” يعود اليوم كأنه لم ينقطع يوما. لكن أي استحقاق هذا الذي يُطرح فوق ركام البيوت، وبين خيام النزوح، وعلى أرضٍ ما زالت تبحث عن أنفاسها؟ في دير البلح، التي تكاد تكون آخر ما تبقى واقفا في غزة، يُطلب من الناس أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، بينما هم بالكاد يجدون طريقهم إلى الماء، أو الدواء، أو رغيف الخبز.
لسنا ضد العملية الديمقراطية، ولم تكن يوما عبئا على الشعوب، بل كانت دائما طريقا للكرامة والوحدة. ولكن، أي معنى لها حين تُفرغ من شروطها الأساسية؟ لا رقابة حقيقية، لا صوت حر، لا بيئة آمنة، ولا حتى حدّ أدنى من الاستقرار الذي يسمح للإنسان أن يفكر في الغد، لا أن ينجو من يومه فقط.
المشهد في دير البلح يبدو أقرب إلى مسرحية عبثية، لا لأن الناس لا تستحق الحياة السياسية، بل لأن الواقع نفسه يرفض هذا الشكل المصطنع من “الحياة الطبيعية”. مدينة صغيرة، منهكة، نصفها مدمر ونصفها الآخر بالكاد يتماسك، يُطلب منها فجأة أن تتصرّف كأنها عاصفة تنشر رياح التغيير : قوائم انتخابية، برامج، رؤى، ووعود بإعمار يعلم الجميع أنه ليس بيد أيٍّ منهم.
كأنك تطلب من إنسان أن يرسم ويكتب على قمم الجبال الراسخة مع هطول الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة.
المشكلة لا تكمن في المرشحين، ولا في نواياهم أو كفاءتهم، بل في الفكرة ذاتها. فكرة أن تُختزل مأساة بحجم الحرب والحصار والدمار إلى “تنافس بلدي” على خدمات غير موجودة أصلًا. أي مجلس بلدي هذا الذي سيُدير مدينة بلا بنية تحتية؟ وأي برنامج انتخابي يمكن أن يقنع شعبًا أنهكته الخسارة، وهو لا يزال يبحث عن مفقوديه، وعن أطفاله، وعن حقه في حياة طبيعية؟
السخرية هنا قاسية ومؤلمة في آنٍ واحد. يتحدثون عن “خطط إعمار”، وكأن القرار محلي، وعن “تطوير خدمات”، وكأن المستشفيات تعمل بكامل طاقتها، وعن “رؤية مستقبلية”، بينما الحاضر نفسه معلّق بين الحياة والموت. من أين سيأتي التمويل؟ ومن يملك القرار؟ ولماذا كل هذا الإصرار على تسريع انتخابات في لحظة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات لا القفز فوقها؟
ليست المشكلة في الصندوق… بل في الأرض التي وُضع عليها الصندوق.
الناس اليوم لا تبحث عن شعارات، بل عن بيوت تأويهم، عن مدارس تعيد لأطفالهم معنى الحياة، عن مستشفيات تحفظ ما تبقّى من أجسادهم، عن إجابات لأسئلة المفقودين التي لا تنام. الأولويات واضحة وبسيطة، لكنها ثقيلة: إعادة الحياة قبل تنظيمها، وترميم الإنسان قبل استدعائه إلى منافسة سياسية لا تشبه واقعه.
إن إجراء انتخابات في مثل هذا السياق لا يبدو كاستحقاق، بقدر ما يبدو محاولة لإقناع الناس أن كل شيء بخير… أو يجب أن يبدو كذلك. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع، أن لا برامج تنفذ في واقع معطل، ولا صناديق اقتراع يمكن أن تعيد بناء ما تهدم، ولا شرعية حقيقية تستمد من واقع فاقد لشروطها.
الديمقراطية ليست طقسا يؤدّى، بل سياقا يُبنى. وما لم تُستعاد مقومات هذا السياق—من وحدة جغرافيا، وحرية قرار، وضمانات نزاهة، وكرامة إنسان—فإن كل ما عدا ذلك سيبقى مجرد شكل بلا روح.
في دير البلح، السؤال لم يعد: من سيفوز؟
بل: هل هذا هو الوقت أصلًا للسؤال؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قريبا، كسوفٌ كلّي للشمس.. ما هي أسرار الظاهرة النادرة وأين ي


.. آثار ليبيا بين النهب والكوارث.. علماء الآثار يصارعون لإنقاذ




.. أميركا توسّع ضرباتها على إيران.. ما سر استهداف الجسور وطرق ا


.. عودة عمليات تحميل النفط الخام من موانئ جنوب العراق




.. قراءة عسكرية | تصاعد الحوادث في مضيق هرمز بعد تصعيد أمريكي إ