الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري

حسين علي محمود

2026 / 4 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


في لحظات التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن فهم المشهد بوصفه مجرد تنافس تقليدي بين دولتين، بل هو صراع مركب تتداخل فيه بنية النظام الإيراني الداخلية مع حسابات الردع الإقليمي والدولي.
ضمن هذا الإطار يبرز محمد باقر قاليباف كأحد الوجوه التي تقرأ في الخارج خصوصاً في واشنطن على أنها تمثل إمكانية تفاوض أو على الأقل نافذة يمكن من خلالها اختبار حدود المرونة داخل النظام الإيراني لكن هذه القراءة رغم وجاهتها الظاهرية تصطدم سريعاً بواقع أكثر تعقيداً.
هنا القضية الأساسية ليست في شخص قاليباف بحد ذاته، بل في موقعه ضمن منظومة حكم لم تعد تدار وفق توازن تقليدي بين السياسي والعسكري، بل تميل بشكل متزايد نحو ترجيح كفة المؤسسة العسكرية الأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري.
هذا التحول لم يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من العقوبات الاقتصادية إلى التجارب التفاوضية السابقة وصولاً إلى الصراعات الإقليمية التي عززت من دور الفاعلين العسكريين بوصفهم حماة النظام وصناع نفوذه الخارجي.
من هنا يصبح الحديث عن قاليباف بوصفه خيطاً رفيعاً يمنع الانزلاق إلى الحرب تعبيراً دقيقاً من حيث الشكل لكنه ناقص من حيث الجوهر.
فالرجل حتى لو امتلك هامشاً للمناورة السياسية يظل محكوماً بسقف ترسمه مؤسسات أكثر صلابة وتأثيراً.
هذا السقف لا يحدد فقط ما يمكن قوله في المفاوضات، بل ما يمكن التفكير فيه أصلاً كخيار استراتيجي.
كما ان حديث وسائل الإعلام الدولية عن استقالته من فريق التفاوض الايراني أو تهميشه بسبب اعتراضه على تدخل الحرس الثوري، فإن ذلك لا ينبغي قراءته كخلاف شخصي أو إداري، بل كمؤشر على طبيعة الصراع داخل بنية القرار الإيراني.
إنه صراع بين منطقين، منطق الدولة التي تبحث عن تخفيف الضغوط عبر التفاوض ومنطق الدولة الأمنية التي ترى في الصمود والتصعيد وسيلة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة.
هذا التباين قد لا يعني بالضرورة وجود انقسام حاد بقدر ما يعكس توزيع أدوار، فالنظام الإيراني بطبيعته يجيد إدارة التناقضات الداخلية بحيث تتحول إلى أدوات تفاوضية بحد ذاتها.
لكن المشكلة تظهر عندما يختل هذا التوازن ويصبح أحد الأطراف، في هذه الحالة الحرس الثوري هو الفاعل شبه الأوحد.
عندها تفقد القنوات السياسية قدرتها على التأثير الحقيقي وتتحول إلى واجهات أكثر منها مراكز قرار.
بالنسبة للولايات المتحدة فإن الرهان على شخصيات مثل قاليباف يعكس رغبة في إيجاد شريك عقلاني (ان صح التعبير) داخل النظام الإيراني يمكن البناء عليه غير أن هذا الرهان يواجه معضلتين أساسيتين هما الأولى أن هذا الشريك قد لا يمتلك الأدوات الفعلية لتنفيذ أي تفاهم والثانية أن صعود المؤسسة العسكرية يجعل من أي اتفاق محتمل عرضة لإعادة التفسير أو حتى التعطيل من داخل النظام نفسه.
أما على مستوى الإقليم فإن تعاظم دور الحرس الثوري يعزز من منطق التفاوض بالنار حيث لا تفصل المسارات الدبلوماسية عن الميدانية، بل تدار بالتوازي.
في هذا الوضع تصبح الضربات المحدودة أو التصعيد المحسوب جزء من عملية التفاوض، لا نقيضاً لها.
وهذا ما يفسر لماذا تبدو المنطقة وكأنها تقف دائماً على حافة الحرب دون أن تنزلق إليها بالكامل.
السؤال الأهم هنا هل ما زال بالإمكان الحديث عن تسوية حقيقية في ظل هذا التوازن المختل؟! الجواب ليس بسيطاً. فمن جهة لا تزال هناك مصلحة مشتركة لدى الطرفين إيران والولايات المتحدة في تجنب حرب شاملة.
لكن من جهة أخرى، فإن أدوات تحقيق هذه التسوية أصبحت أكثر تعقيداً، لأن القرار لم يعد مركزياً أو قابلاً للاختزال في شخصيات سياسية يمكن التفاهم معها.
في ضوء ذلك يمكن القول إن قاليباف سواء بقي في موقعه أو خرج منه ليس سوى عرض لمرض أعمق يتعلق بطبيعة السلطة في إيران اليوم.
مرض يتمثل في انتقال مركز الثقل من السياسة إلى الأمن ومن التفاوض كخيار إلى التفاوض كتكتيك ضمن استراتيجية أوسع قائمة على إدارة الصراع لا حله.
ربما ما يجري لا يشير إلى اقتراب حرب حتمية بقدر ما يعكس تحولاً في شكل الصراع نفسه.
لم تعد طهران تتعامل مع التفاوض كمسار بديل عن المواجهة، بل كأحد أدواتها.
وفي المقابل تجد واشنطن نفسها أمام نظام يصعب تفكيك قراره أو التأثير فيه عبر القنوات التقليدية، وبين هذا وذاك يبقى الخيط الرفيع قائماً لكنه لم يعد بيد شخص، بل بيد منظومة كاملة تمسك بخيوط الحرب والسلام في آن واحد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرقة القرن.. العراق يستعيد 365 مليار دينار في قضية نور زهير


.. مشهد تستضيف محادثات إيرانية قطرية.. وطهران تكشف مضمونها




.. عضو في البرلمان الأوروبي: أريد أن أقول لابني إننا لم ندر ظهو


.. ترمب يهدد إيران برد عسكري غير مسبوق إذا تعرض لمحاولة اغتيال




.. إيران: انفجارات في شرق طهران ناتجة عن تفجير ذخائر