الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ

حسين علي محمود

2026 / 4 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


إن الحديث عن فجوة بين "إيران الثورة" و "إيران الدولة" يبدو في ظاهره نقاشاً فكرياً بين خطابين متناقضين أحدهما ثوري عقائدي والآخر براغماتي مؤسساتي لكن هذه الصورة تبسيطية أكثر مما ينبغي.
ما يجري في الواقع داخل إيران لا يمكن اختزاله في صراع أفكار بقدر ما هو تنافس بين مراكز قوى على النفوذ وعلى القدرة على توجيه القرار السياسي خصوصاً في اللحظات التي يهتز فيها التوازن الداخلي.
ومن هنا فإن فكرة الفجوة لا تعني انقساماً حاداً بقدر ما تعني إعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام نفسه خاصة بعد غياب شخصية محورية مثل المرشد علي خامنئي التي لعبت دور الحكم بين مختلف التيارات.
ما يسمى إيران الثورة لا يقتصر على التمسك بشعارات الثورة الإسلامية الإيرانية، بل يشير إلى شبكة واسعة من المؤسسات والقوى التي نشأت لحماية هذا الإرث وتوسيعه. في مقدمة هذه القوى يأتي الحرس الثوري الإيراني الذي تطور من جهاز عسكري إلى لاعب مركزي يمتد نفوذه إلى الاقتصاد والسياسة الإقليمية.
هذه البنية لا تتحرك فقط بدافع أيديولوجي، بل تحكمها أيضاً مصالح ملموسة من عقود اقتصادية إلى شبكات نفوذ عابرة للحدود ما يجعل الثورة أقرب إلى منظومة مصالح متكاملة مغلفة بخطاب عقائدي.
في المقابل تمثل إيران الدولة الوجه المؤسسي التقليدي الذي يضم الحكومة والبرلمان والإدارة البيروقراطية ويسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتخفيف الضغوط الخارجية.
وقد برز هذا الاتجاه في مراحل مختلفة عبر شخصيات مثل حسن روحاني، ومحمد جواد ظريف، وعباس عراقجي، إضافة إلى محمد باقر قاليباف رغم اختلاف مواقعهم وخلفياتهم.
هؤلاء لا يمثلون تياراً متطابقاً لكنهم يشتركون في مقاربة تميل إلى إدارة الصراع بدل الانخراط المفتوح فيه وتوظيف الدبلوماسية والاقتصاد لتقليل كلفة المواجهة.
ومع ذلك لم يكن هذا الاتجاه قادراً على التحرك بحرية كاملة، إذ بقيت حدوده مرسومة ضمن إطار أوسع تتحكم به القوى المرتبطة بمنظومة الثورة خصوصاً في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.
المسألة إذن ليست صراعاً بين خطين منفصلين، بل علاقة معقدة من التداخل والتنافس حيث في أوقات معينة تتقدم كفة الدولة عندما تفرض الحاجة إلى التهدئة نفسها وفي أوقات أخرى تتغلب الثورة عندما يكون التصعيد وسيلة لتعزيز النفوذ أو الردع.
هذا التوازن كان يدار إلى حد كبير من قبل القيادة العليا التي حافظت على نوع من الانسجام النسبي بين هذه القوى بحيث لا يتحول التنافس إلى صراع مفتوح لكن مع غياب هذه القيادة الجامعة تبدأ خطوط التماس بالظهور بشكل أوضح.
لا يعود الخلاف حول الشعارات، بل حول من يملك حق تعريف مصلحة إيران، هل تُعرّف هذه المصلحة من خلال توسيع النفوذ الإقليمي وتعزيز أدوات الردع، أم من خلال تقليل التوتر والانخراط في الاقتصاد العالمي؟!
هنا يتحول الخلاف إلى صراع عملي على الموارد وعلى اتجاه السياسات وليس مجرد اختلاف في الرؤية.
يلعب الاقتصاد دوراً حاسماً في تعميق هذه الفجوة، فالعقوبات والضغوط المالية لا تؤثر على جميع الأطراف بالطريقة نفسها.
هناك جهات تستفيد من اقتصاد الظل ومن الالتفاف على القيود بينما تتضرر المؤسسات التي تحتاج إلى بيئة مستقرة وانفتاح خارجي.
هذا التباين يجعل كل طرف يدفع باتجاه سياسات تخدم موقعه ما يضيف بعداً مادياً واضحاً للصراع يتجاوز اللغة الأيديولوجية التي غالباً ا ما تستخدم لتبريره.
ومع ذلك من الخطأ تصور أن هذه الفجوة ستؤدي بالضرورة إلى انهيار أو انقسام حاد.
التجربة الإيرانية منذ 1979 تظهر قدرة عالية على التكيف وإعادة إنتاج التوازنات الداخلية بصيغ جديدة.
ما يحدث غالباً ليس كسراً للنظام، بل إعادة تشكيل له بحيث يتم استيعاب التحولات ضمن بنية قائمة بدلاً من استبدالها بالكامل.
يمكن القول إن "إيران الثورة" و "إيران الدولة" ليستا كيانين منفصلين، بل وجهان لبنية واحدة تتحرك وفق توازنات دقيقة بين القوة والمصلحة.
الفجوة بينهما ليست فجوة أفكار بقدر ما هي فجوة نفوذ تظهر بوضوح عندما يغيب من كان يضبط إيقاعها وفهم هذه الدينامية يتطلب النظر إلى ما وراء الخطاب، إلى شبكات القوة التي تحدد فعلياً اتجاه الدولة، لأن ما يبدو صراعاً أيديولوجياً في الظاهر هو في جوهره صراع على من يملك القرار ومن يحدد المسار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يتحول الذكاء الاصطناعي لمواجهة بين رجال الأعمال والحكومات


.. رحلة أب إلى موقع مقتل نجله في الضفة الغربية تنتهي بكمين للمس




.. سياق الحدث | طهران تتمسك بإغلاق هرمز وترمب يعيد الحصار البحر


.. نقاش الساعة - دلالات التوتر في اليمن وعلاقته بالتصعيد بين أم




.. ترمب: مذكرة التفاهم مع إيران كانت اختبارا ولم يلتزموا بها