الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين الإهانة والتجريد: تشبيه الانسان بالحيوان
خالد خالص
2026 / 4 / 24الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يبدو أن الإنسان، منذ أن تعلم الكلام، لم يجد وسيلة أفضل لوصف أخيه الإنسان… سوى الاستعانة بالحيوانات، وكأن القاموس البشري لم يكفه، ففتح باب الغابة واستعار منها ما شاء من صفات، ثم وزعها بسخاء، على هذا وذاك وعلى هذه وتلك، مدحا أحيانا … وانتقاما أو تهكما أحيان أخرى أو هما معا في أغلب الأحيان.
ويعتبر تشبيه الإنسان بالحيوانات في الثقافات الشعبية ظاهرة قديمة وموجودة في أغلب المجتمعات، تستخدم للتعبير عن صفات معينة بطريقة رمزية وسهلة الفهم. هذه التشبيهات ليست حرفية، بل مجازية وتعتمد على الصورة الذهنية المرتبطة بكل حيوان.
ولقد استعمل الحيوان في الثقافة الشعبية، كرمز لصفة إنسانية، بهدف التبسيط أي نقل فكرة معقدة بكلمة واحدة وتقييم ذلك شخص بمدحة أو بذمه بطريقة غير مباشرة بهدف التأثير البلاغي أي جعل الكلام أكثر حيوية وقوة.
وهكذا تجد تشبيه الانسان للإنسان بالأسد أو بالنمر يرمز الى الشجاعة والقوة. يقال عندنا الأسد أو "السبع" أي الشجاع المقدام.
كما تجد بأن نعت الآخر بالثعلب (الديب) يفيد المكر والخداع والافتراس.
أما "الحمار" فيستعمل في كثير من الثقافات لوصف الانسان بالغباء أو البلادة وصعوبة الفهم.
ويستعمل وصف الانسان بالطاووس (الطوس) لإبراز الغرور والتباهي و"النحلة" أو "النحيلة" فهي تفيد النشاط والعمل الجاد و"النملة" أو "النميلة" ترمز الى الاجتهاد بينما "السلحفاة" (الفكرون) فهي تعني أحيانا البطء وأحيانا أخرى الصبر كما قد تفيد تلك التي "تتمسكن حتى تتمكن".
في الدارجة المغربية، أنت لا تحتاج في الواقع إلى شهادة في علم النفس لتفهم الناس، يكفيك أن تتقن فهم "حديقة التشبيه بالحيوانات" لتستوعب الرسالة: امرأة وصفت ب"الغزالة" أو "الحمامة" أو الحميمة" (للتصغير) فذلك يشير إلى الرشاقة والجمال والنعومة، وكثير من الاعجاب، بينما المرأة التي وصفت بـ"اللفعة"؟ فالأمر لا يتعلق بالزواحف بقدر ما يتعلق بذكاء حاد قد يلدغك دون سابق إنذار فخذ مسافة أمان منها.
وإذا كانت المرأة تستقبل بعض الأوصاف بالرضا والسرور ك"الغزالة" و"الحمامة" أو "الحجلة" فأنها لن تقبل منك أن تصفها "باللفعة" التي ترمز الى الغدر أو "بالقردة" التي ترمز إما الى التقليد أو القبح أو "بالبقرة" للتلميح الى كثرة السمنة أو "القطة" (وجه القطة) أو "موكة" للدلالة على سوء الطالع أو حتى "بالجرافة" للمبالغة في طول عنقها أو "ببوصيحة" أو "بالجرانة" (الضفضعة) أو "بالقرواتة " أو "بالبغلة" والتي هي كلها أوصاف لا تمر بتاتا بنفس الخفة بل تقابل بالرفض والاستياء وفي غالب الأحيان بعداوة حادة.
وفي نفس السياق فحينما تصف الرجل ب "الحنش"؟ فهو من سيأتيك من حيث لا تدري، ليلدغك في صمت، وكأن الصمت عنده وسيلة عمل. وحينما نقول "لحناش" فنقصد بهم المخبرين الذين يتسللون الى حياتك الخاصة والعامة.
وإذا كان "الكلب" يرمز الى الوفاء في كثير من الثقافات فإنه يستعمل في ثقافات أخرى كإهانة. وقد يتقبل المغربي أن تشبهه "بالأسد" (السبع) أو "بالحصان" (العود) مثلا وهو فخور إلا أنه لن يتقبل منك أن تشبهه "بالحمار" أو ب "الدحش" أو "بالكلب" أو "بالديب" أو "بالضبع" أو "ببلارج" أو "بالفيل" أو "بالجمل" أو "بالحلوف" (الخنزير) أو " بالبهيمة" أو "بالحيوان"، بل قد تكون قد نجحت في تدمير علاقة اجتماعية الى ما لا رجعة.
ولن أقف كثيرا عند من يصف الناس "بالقطيع" أو ب "الحوالة" في إشارة الى الخرفان، ويأتي الوصف في بعض المناسبات كالانتخابات أو غيرها والذي يفيد تتبع الشخص أو الحزب دون أدنى تفكير.
والخلاصة هي أن التشبيه قد يكون إيجابيا عندما يستخدم للإعجاب (سبع، عود، نحلة، نحيلة، نميلة، غزالة، حمامة، حميمة، إلخ)، وقد يكون سلبيا عندما يستخدم للإهانة أو التقليل من شأن الإنسان أو للتهكم (حمار، ضبع، كلب، فيل، لفعة، قرد، قطة، جرافة، إلخ). وتعكس هذه التشبيهات نظرة الإنسان إلى الطبيعة والحيوانات، كما تعكس القيم الاجتماعية السائدة، إلا أنها تكون في غالب الأحيان مبسطة أو ظالمة، سواء للحيوانات أم للبشر أم لهما معا، لأنها تختزل الإنسان في صفة واحدة، كما تعكس في الوقت نفسه حضور البعد الغريزي في تفسير السلوك الإنساني، حين يقاس على ما هو فطري في الحيوان.
دكتور في الحقوق
محام بهيئة المحامين بالرباط
مقبول للترافع أمام محكمة اتلنقض
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية
.. محاولة فهم | بعد عقد من الانقلاب الفاشل.. كيف تغيرت تركيا؟
.. قراءة عسكرية.. التصعيد يتسارع والعمق الإيراني يدخل دائرة الا
.. خارج الصندوق | الحكومة العراقية: دولتنا كاملة السيادة وحصر ا
.. فرنسا: ما أسباب الجدل حول قانون -المساعدة على إنهاء الحياة-