الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
حسين علي محمود
2026 / 4 / 25مواضيع وابحاث سياسية
تعد الخدمة العسكرية الإلزامية (خدمة العلم) واحدة من أكثر السياسات العامة إثارة للجدل لأنها تقع عند تقاطع الأمن والاقتصاد والمجتمع.
فهي من جهة أداة تعتمدها الدول لتعزيز جاهزيتها الدفاعية وترسيخ مفهوم المواطنة والمسؤولية المشتركة، ومن جهة أخرى تطرح بوصفها عبئاً قد يقيد حرية الأفراد ويؤثر في مساراتهم المهنية خاصة في عالم تغيرت فيه طبيعة الحروب وأصبحت التكنولوجيا والجيوش المحترفة تلعب الدور الأبرز.
تصر بعض الدول على الإبقاء على التجنيد الإلزامي انطلاقاً من رؤية تعتبر الأمن القومي شرطاً أولياً لأي مشروع تنموي. فالدولة التي لا تمتلك قدرة على حماية حدودها واستقرارها الداخلي ستجد صعوبة في جذب الاستثمارات أو بناء اقتصاد مستدام.
كما يوفر التجنيد قاعدة بشرية واسعة يمكن تعبئتها بسرعة في حالات الطوارئ وهو ما يمنح الدولة مرونة استراتيجية في مواجهة الأزمات.
إلى جانب ذلك ينظر إلى الخدمة الإلزامية أحياناً كوسيلة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية عبر جمع أفراد من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة ضمن تجربة مشتركة تعزز الانضباط والاندماج.
في المقابل يطرح منتقدو هذه السياسة حججاً لا تقل قوة، إذ يرون أن الاستثمار الحقيقي في قوة الدولة يبدأ من الاقتصاد مثل خلق فرص العمل، بناء الصناعات، تطوير التكنولوجيا، وتعزيز دور القطاع الخاص.
فالأقتصاد القوي قادر على تمويل جيش محترف ومتطور وهو أكثر كفاءة من الاعتماد على تعبئة بشرية واسعة قد تفتقر إلى التدريب المتخصص.
كما أن إدخال الشباب في خدمة إلزامية قد يقطع مسارهم التعليمي أو المهني ويؤخر اندماجهم في سوق العمل خصوصاً في الدول التي تعاني أصلاً من البطالة وضعف الفرص.
هنا لا تبدو الإشكالية في الاختيار بين التجنيد الإلزامي أو التنمية الاقتصادية بوصفهما خيارين متناقضين، بل في طبيعة السياق الذي تتحرك فيه الدولة.
فالدول التي تواجه تهديدات أمنية مباشرة أو تعيش في بيئات إقليمية مضطربة تميل إلى تبني سياسات إلزامية لتعزيز قدراتها الدفاعية.
أما الدول التي تتمتع باستقرار نسبي فغالباً ما تتجه نحو بناء جيوش مهنية عالية التدريب وتركز على الاقتصاد والمعرفة بوصفهما مصدر القوة الأساسي.
عند تطبيق هذا الطرح على الواقع العراقي تتعقد الصورة أكثر، فالعراق بلد يمر بظروف مركبة مثل تحديات أمنية لم تختف تماماً، إرث طويل من الصراعات، بنية اقتصادية تعتمد بشكل كبير على النفط، ومعدلات بطالة مرتفعة بين الشباب. في مثل هذا الوضع قد يبدو التجنيد الإلزامي خياراً مغرياً من زاوية بناء قوة بشرية احتياطية وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني خاصة في مجتمع عانى من الانقسامات.
كما يمكن نظرياً أن يسهم في تدريب الشباب على الانضباط واكتساب مهارات أساسية.
لكن الوجه الآخر لا يمكن تجاهله، ففرض خدمة إلزامية في ظل اقتصاد هش قد يعني سحب أعداد كبيرة من الشباب من سوق العمل أو التعليم دون توفير بدائل حقيقية ما قد يزيد من الأعباء الاجتماعية بدل حلها.
كما أن نجاح هذه التجربة مشروط بوجود مؤسسات دولة قوية وقادرة على إدارة الخدمة بشكل عادل وفعال، إذ إن غياب الحوكمة الرشيدة قد يحولها إلى عبء بيروقراطي أو مساحة لإعادة إنتاج الفساد واللامساواة.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة أكثر توازناً، فبناء دولة قوية لا يتحقق عبر عسكرة المجتمع ولا عبر إهمال متطلبات الأمن.
تكمن المعادلة الأكثر واقعية في الجمع بين اقتصاد منتج ونظام تعليمي فعال وقدرات دفاعية متطورة مناسبة لطبيعة التهديدات.
في الحالة العراقية قد يكون من الأنسب التفكير بنماذج مرنة مثل خدمة وطنية جزئية أو تدريب عسكري اختياري مرتبط ببرامج تعليمية ومهنية بدل فرض تجنيد شامل قد لا ينسجم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
في المحصلة النهائية ليست القضية في نعم أو لا للتجنيد الإلزامي، بل في كيفية تصميمه وتوقيته والبيئة التي يطبق فيها.
أما المبالغة في أي اتجاه سواء نحو عسكرة مفرطة أو نحو إهمال البعد الأمني تؤدي إلى خلل بنيوي يسبب إما اقتصاد ضعيف بلا حماية كافية أو دولة مثقلة بأعباء عسكرية على حساب التنمية.
والتحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن ذكي بين الأمن والحرية، بين الواجب الوطني والحق الفردي بما يضمن بناء مجتمع متماسك ودولة قادرة على الاستمرار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حرارة قياسية تضرب المغرب العربي: ما التداعيات وكيف يمكن مواج
.. دخان حرائق كندا يخنق مدن الشمال الشرقي الأمريكي ويثير تحذيرا
.. ما الذي يفسر الغضب الشعبي في أوكرانيا من قرار زيلينسكي بإقال
.. بعد زلزالي فنزويلا.. العائلات تنبش الأنقاض بأيد عارية بحثا ع
.. بين ضغوط أميركا وإسرائيل وتحركات سوريا والعراق.. إلى أين يتج