الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التاريخ يعيش بيننا:(1) التاريخ والماضي...ماذا يعني كل منهما؟

خلف الناصر
(Khalaf Anasser)

2026 / 4 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ابتداءً يمكن القول، وباختصار شديد: أن التاريخ هو كل شيء صنع في الماضي، لكنه لا زال يعيش بيننا. أما الماضي: فهو كل شيء صنع في التاريخ لكنه لم يترك أثراً في حياتنا وواقعنا القائم حالياً..
فالتاريخ كائن حي ينبض بالحياة، أما الماضي فهو كائن ميت لا حياة فيه بمعنى:
أننا لو تأملنا مفردات حياتنا نجد أن كل شيء فينا قد صنعه غيرنا في الماضي:
فلغتنا التي نتحدثها، وقيمنا التي نتعامل بها، وتقاليدنا التي تربطنا مع بعضنا، وأزيائنا التي نرتديها، ومشاعرنا التي نحملها، وأفكارنا الي توجهنا....الخ لم نصنع نحن منها مفردة واحدة، إنما جميعها قد صنعها أجدادنا وآباؤنا وأحفادهم وأحفاد أحفادهم...الخ السلسلة في الماضي، وحفظها التاريخ لنا وحملها إلينا، لنستخدمها نحن في حياتنا الاجتماعية ووقائعنا اليومية، ولم نصنع نحن شيئاً منها!
****
فمنطق التاريخ على العكس من منطق السياسة، فهو يتعامل بكل ما له صفة الديمومة والاستمرارية والخلود في الزمان ويتأبد في المكان، وبكل ما يترسب في الواقع الاجتماعي من آثار الأحداث، ويصبح ــ في المستقبل ــ واقعا في المكان وتاريخا في الزمان، وبالتالي، فأن هذا المنطق هو الوحيد القادر على تحليل وتفسير وتقيم الأحداث الكبرى، كالتي تحدث منطقتنا العربية اليوم مثلاً.
في التاريخ مدارس تاريخية عديدة تقرأ الأحداث قراءات مختلفة، لكن هناك مدرسة تقسم التاريخ إلى قسمين:
الأول الماضي: وهو مجموع الأحداث والحوادث والوقائع التاريخية التي حدثت في التاريخ، وأصبحت (ماضيا)، وانتهت مفاعيلها في الحاضر، وأصبحت مجرد حكايات ونوادر تاريخية تتناقلها ألسن الأجيال بصيغ متنوعة، كالحكايات الآتية إلينا من الحضارات القديمة وشواخصها الباقية على الأرض، وحكايات ألف ليلية وليلة وعنترة بن شداد والزير سالم....إلخ . فهذه جميعها حكايات مسلية، لكنها لم تترك أثرا يذكر في واقع المجتمع وحياة الناس اليومية!
الثاني التاريخ: والتاريخ كما هو أحداث ووقائع مادية حدثت في بيئة معينة ومجتمع معين ووطن معين في الزمن الماضي، هو أيضا ـ أي التاريخ ـ عملية بناء وصيرورة وتكون لأمم وشعوب ومجتمعات وحضارات مختلفة، فحتى الانسان المتحضر نفسه، كان نتيجة صنعها التاريخ:
فلغته التي يتكلمها، وقيمه التي يتعامل بها، وتقاليده التي تكون خصوصيته، وحضارته التي ابتدعها...الخ هي جميعا صنعت في التاريخ واستمرت موجودة فيه، عابرة الحقب والأجيال إلى الحاضر اليومي المعاش.
والأهم من كل هذا، أن الأمم والشعوب والمجتمعات والحضارات، كانت هي الخلاصة التي نتجت عن عمليات التاريخ المختلفة، بكل أحداثها وحوادثها وآلياتها وقوانينها (السرية) التي لا زال معظمها مجهولا للإنسان .
فالخلاصة: أن كل حدث أو واقعة حدثت في التاريخ ولم تترك أثرا في الواقع الاجتماعي الحاضر تسمى (ماضيا).. وكل حدث أو ظاهرة أو واقعة حدثت في الماضي، وعبرت الحقب والأجيال، واستمرت موجودة في الزمان والمكان والواقع الاجتماعي الحاضر.. كالقبلية مثلا: فتسمى (تاريخا):
فالقبيلة كانت موجودة في مجتمعاتنا العربية منذ فجر التاريخ وقبل الاسلام، ولازالت موجودة فيها بدرجات مختلفة، وتنعكس على الواقع الاجتماعي العربي الراهن سلبا وإيجابا، وتتداخل عضويا مع الدين والسياسة وجميع الفعاليات الاجتماعية الأخرى، ومع القبلية وتأخذ دورها نفسه، تتداخل أيضاً كثير من سلوكياتنا الدينية وصراعاتنا المذهبية والطائفية التي حولت حياتنا إلى جحيم!
فجميعها عبرت إلينا عبر التاريخ، بعد أن ترسبت في واقعنا ومجتمعاتنا ولم نصنع نحن منها شيئاً، إنما هي التي صنعتنا بطبائعنا هذه وهي التي تحركنا كأحجار الدومنو، ونحن لا نستطيع إلا أن نطيعها وننفذ أوامرها بغباء!
وهذا هو (معنى التاريخ) الذي نقصده هنا، ونقصد أيضا الأحداث الراهنة التي ستصبح تاريخا في المستقبل وتؤثر فيه، كما أثرت ولا زالت تؤثر القبلية والطائفية والمذهبية فينا. فهذا هو المعنى الدقيق الذي نريد له أن يحضر في الذهن، عندما نذكر كلمة تاريخ أو حدث تاريخي أو رد تاريخي.... إلخ
****
كما أن التاريخ ليس حالة فوضوية ولا تحدث أحداثه كيفما اتفق ــ كما يعتقد أغلبنا ــ بل له قوانين صارمة ومحركات دافعة وآليات دينامية - لكنها لا زالت مجهولة لنا - تحرك أحداثه وتضبط وقائعه، وبعضها قريبة الشبه بالقوانين الفيزيائية التي تضبط التوازن في الطبيعة، وتديم حركة عناصرها وتضبط حركتها.
وأحداث التاريخ تصنف إلى حدث عادي وحدث تاريخي:
وللحدث التاريخي (وهو الذي يهمنا هنا) مواصفاته وصفاته لا تتوفر في الحدث العادي، وأهم صفات الحدث التاريخي هــي :
(أ) حتمية واستمرارية وانقلابية الحدث التاريخي!
(ب) الحدث التاريخي (حتمي) الوقوع، لكونه استحقاق تاريخي فرضته آليات التاريخ وحركة المجتمع، ولا يمكن إيقافه عن الحدوث بعد توفر شروط وقوعه!
بينما ألحدث العادي تفرضه ظروف الحياة اليومية العادية أو ظروف طارئة، ويمكن تدارك وقوعه بالجهد الإنساني الذكي!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب الله في العراق يرفض تسليم السلاح.. والزيدي يطلب مهلة من


.. سياق الحدث | هل تنجح وساطة مسقط في منع المواجهة بين واشنطن و




.. خروج إسرائيل من لبنان والنفوذ الإيراني ووفاة حافظ الأسد | شا


.. استشهاد فلسطينيين بنيران الاحتلال وسط وجنوب قطاع غزة




.. ما دلالات توقيت إعلان فصائل العراق رفض التخلي عن سلاحها؟