الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 4
بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)
2026 / 4 / 26
مواضيع وابحاث سياسية
الحرب على إيران: لحظة انكشاف النظام العالمي
الحروب الكبرى، في لحظات التحول التاريخي، هي نقاط تكثيف تتجلى فيها بنية النظام العالمي في أكثر صورها عريًا، وليست مجرد صدامات عسكرية بين دول كما يظن أصحاب النظرة المتعجلة. إنها اللحظة التي يتخلى فيها النظام عن لغته الدبلوماسية، ويتحدث بلغته الأصلية وهي القوة. غير أن هذه اللغة، حين تُستخدم بكثافة، لا تعبّر عن الثقة بقدر ما تكشف عن القلق، ولا تدل على السيطرة بقدر ما تشير إلى فقدانها. من هذا المنظور، لا يمكن فهم الحرب على إيران بوصفها نزاعًا إقليميًا محدودًا، ولكن بوصفها حدثًا كاشفًا، يفضح حدود النظام العالمي ويكشف عجزه عن إعادة إنتاج نفسه.
لفهم هذا الحدث، لا بد من العودة إلى ما يسميه أنطونيو غرامشي لحظة "الفراغ التاريخي"، حين "يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد"، وهي اللحظة التي تتكاثر فيها ما وصفه بالظواهر المرضية (Gramsci, 1971). هذه ليست مجرد استعارة فلسفية، بقدر ما هي توصيف دقيق للحظة فقدان الهيمنة. فالنظام القديم لا يزال قائمًا شكليًا، يحتفظ بمؤسساته وقواعده، لكنه يفقد قدرته على ضبط التفاعلات التي يدّعي تنظيمها. في المقابل، لم يتشكل بعد نظام جديد قادر على فرض توازن بديل. وفي هذه المسافة بين النظامين، تتكاثر الأزمات، ليس كاستثناء، ولكن لأنها التعبير الطبيعي عن غياب النظام.
ضمن هذا الإطار، تأخذ إيران موقعًا يتجاوز كونها دولة طرفًا في صراع. إنها تمثل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها أزمات متعددة: أزمة الطاقة، وأزمة الهيمنة، وأزمة التوازن الإقليمي. موقعها الجغرافي، وثقلها في معادلات الطاقة، واستقلالها النسبي عن المنظومة الغربية، كلها عوامل تجعلها نقطة احتكاك داخل بنية النظام العالمي. ولذلك، فإن الصراع معها لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي أو أمني، إنه بمعنى أكثر دقة، يعكس توترًا أعمق في بنية النظام نفسه. إن إيران، بهذا المعنى، ليست سبباً في الأزمة، بقدر ما هي إحدى ساحاتها.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ماذا تكشف هذه الحرب عن طبيعة القوة في النظام العالمي المعاصر؟ لقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن الهيمنة ليست مجرد تفوق عسكري، ولكنها قدرة على تنظيم النظام العالمي عبر مزيج من القوة والشرعية (Wallerstein, 2004). وحين تتآكل هذه الشرعية، تصبح القوة عارية، وتفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار. هنا تحديدًا، تتحول الحرب من أداة للسيطرة إلى علامة على فقدانها. فالقوة التي تحتاج إلى الاستخدام المستمر لإثبات نفسها، هي قوة بدأت تفقد قدرتها على العمل عبر القواعد.
إن ما نراه اليوم ليس عجزًا في امتلاك القوة، بل عجزًا في استخدامها بفعالية. وقد بيّن جيوفاني أريغي أن مراحل تراجع الهيمنة تترافق مع الانتقال من الاقتصاد الإنتاجي إلى التوسع المالي، وهي لحظة تدل على نضج النظام واقترابه من حدوده التاريخية (Arrighi, 1994). ففي هذه المرحلة، تصبح السيطرة أكثر صعوبة، لأن النظام نفسه يصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا. كل تدخل في طرف من أطرافه يولد ارتدادات غير متوقعة في أطراف أخرى، مما يجعل القوة أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
هكذا، لا تبدو الحرب على إيران حدثًا معزولًا، إنها جزءًا من نمط أوسع يمكن وصفه بـ "عسكرة الأزمات". فحين تفشل الأدوات الاقتصادية في إدارة التناقضات، وتفقد المؤسسات الدولية فعاليتها، يُستدعى العنف كبديل. لكن هذا العنف لا يحل الأزمة، ولكنه يلعب دور الكاشف لها. إنه، بتعبير مجازي، حرارة الجسد التي تدل على المرض دون أن تكون هي المرض نفسه. فالحرب هنا عرض للأزمة، وليست سبباً لها.
ومع تكرار هذه الأنماط، يدخل النظام العالمي في حالة يمكن وصفها بـ "الفوضى المنظمة" كما كررنا مراراً. فالمؤسسات لا تختفي، والقواعد لا تُلغى، لكنها تفقد فعاليتها. وتستمر المنظومة الدولية في العمل شكليًا، لكنها تعجز عن ضبط التفاعلات التي تجري داخلها. وقد أظهرت تحليلات روبرت كوكس أن الهيمنة، حين تفقد قدرتها على تحقيق التوافق، تتحول إلى هيمنة قسرية تعتمد على القوة المباشرة، وهي حالة غير مستقرة بطبيعتها (Cox, 1983).
في هذا السياق، الحروب تصبح جزءًا من آلية النظام، ولا تعود انحرافًا عنه كما في الأنظمة الراسخة. إنها ليست فشلًا في السياسة، بقدر ما هي استمرار لها بوسائل أخرى حين تعجز الأدوات التقليدية. وهذا ما يجعل الحرب على إيران، وغيرها من الصراعات المعاصرة، مؤشرًا على مرحلة انتقالية، لا يمكن فهمها إلا بوصفها جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام العالمي.
التاريخ يخبرنا أن مثل هذه اللحظات لا تمر بهدوء. الانتقالات بين الهيمنات كانت دائمًا مصحوبة بصراعات، وأزمات، وفترات من عدم اليقين. لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو عمق التشابك العالمي، الذي يجعل كل صراع محلي ذا أثر عالمي. لم يعد بالإمكان عزل الحروب، لأنها تحدث داخل نظام مترابط إلى درجة تجعل كل حدث فيه ذا صدى واسع.
في النهاية، لا يمكن قراءة الحرب على إيران إلا كعلامة على أن النظام العالمي قد دخل مرحلة يفقد فيها قدرته على تفسير نفسه. النظام القديم لم يعد قادرًا على فرض قواعده، والنظام الجديد لم يتشكل بعد. وفي هذه المسافة بين الاثنين، يصبح العالم أكثر اضطرابًا، ليس لأنه خرج عن النظام، ولكن لأنه لم يعد يمتلك نظامًا مستقرًا. إنها، بلغة غرامشي، لحظة تتكاثر فيها "الظواهر المرضية". لكنها، في مستوى أعمق، لحظة ولادة مؤلمة لنظام جديد لم تتضح ملامحه بعد. فالحروب، مهما بدت عبثية، قد تكون في سياقها التاريخي تعبيرًا عن محاولة العالم إعادة تنظيم نفسه، ولو عبر الألم.
قائمة المراجع
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Cox, R. W. (1983). Gramsci, hegemony and international relations. Millennium: Journal of International Studies, 12(2), 162–175.
Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. W.W. Norton.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس الوزراء الإسباني يزور الجزائر يوم الإثنين
.. حصار الطاقة الأمريكي يشل شوارع كوبا ويدفع السكان لخيارات بدي
.. بعد الهجوم الإيراني.. الكويت تعلن إصابات في الجيش وأضرارا بم
.. من الدبلوماسية إلى الحرب.. لماذا فشلت مذكرة التفاهم بين واشن
.. بين مؤيد ومعارض.. قراءة في دوافع فرنسا وإنجلترا لمباراة تحدي