الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 4 / 26
قضايا ثقافية


في حضرة الغياب الذي ليس غيابا، وفي مقام الحضور الذي ليس حضورا، تقف الكاتبة زهراء المنصور كأنها مرآة مكسورة تعكس وجها واحدا يتعدد في كل لحظة، وجه الأب حين كان جالسا على كرسيه أمام النافذة، يحدق في اللاشيء كما لو أنه يحدق في كل شيء، ويسمع الإذاعة كأنما يسمع نبض العالم وهو يتسرب من بين أصابعه ببطء رحيم لا قسوة فيه سوى قسوة الفقد حين يتنكر في هيئة الاعتياد. هناك حيث يبدأ المعنى ولا ينتهي، حيث لا يعود الزمن خطا مستقيما بل دائرة من الحنين، كانت الابنة تنادي من فوق "صباح الخير أبوي"، فلا يكون الرد مجرد صوت، بل يكون علامة وجود، إشارة حياة، أو انطفاء مؤجل لا يزال يتنفس. فإن أجاب، انفتح الباب بين العالمين، وانحدرت الروح من علوها إلى حضن الأب، وإن صمت، صار الصمت نفسه صلاة مؤجلة، ونام الأب في حضرة لا يوقظه منها إلا الحب حين يعود في شكل يد صغيرة تبحث عن وجه كبير. يا لهذا الوجود الذي لا يفهم إلا بالذوق، كما قيل في سر الأسرار، فإن الكلام لا يحيط بالمعنى، كما لا يحيط البحر بكف عطشان. فمن طلب الدليل على حرارة الحب، قيل له ادخل فيه، ومن طلب البرهان على ألم الفقد، قيل له عش فيه، فإن ما لا يذاق لا يعرف، وما لا يعاش لا يقال. كان الأب في تلك الصورة اليومية البسيطة، جسدا يجلس، وعينين تتأملان ما وراء المرئي، كأنه ينصت إلى كتاب غير مكتوب، كتاب لا حروف فيه إلا الزمن. وحين كانت الابنة تأتي بالصحيفة، كانت تأتي لا بورق مطبوع فقط، بل كانت تأتي بجسر صغير بين عالمين، عالم يتناقص فيه الضوء، وعالم يتسع فيه الحنين. وحين تغفل، ويذكرها هو رغم ضعف النظر، فإنما كان الوعي بينهما قد تجاوز البصر إلى بصيرة لا تحتاج إلى عينين، بل إلى قلب واحد يتوزع بين جسدين.
أليس العالَم في جوهره غائبا وإن ظهر، وأليس الحق ظاهرا وإن خفي على من لا يرى إلا القشرة؟ هكذا يتبدى الأب في نص الحياة، لا بوصفه فردا فقط، بل بوصفه معنى يتجسد ثم يتراجع إلى أصله، كالنور حين ينسحب من الأشياء ولا يتركها إلا شاهدة عليه. ثم تأتي الأيام التي يتراجع فيها الصوت، ويتقلص فيها الحضور، ويبدأ العالم في الانكماش حول طاولة صغيرة، ونافذة أكبر من كل شيء، وذاكرة تزدحم بما لم يعد حاضرا إلا على هيئة شوق. وحين يرحل الأحبة تباعا، لا يكون الرحيل حدثا منفصلا، بل يكون تآكلا في نسيج العالم، كأن الوجود نفسه يتعلم كيف يختصر نفسه في غياب متكرر. يا ابنة تكتب الألم بمداد الحضور، إنك لا ترثين رجلا فقط، بل ترثين طريقة في رؤية العالم، ترثين نافذة كانت تطل على ما لا يرى، وكرسيا كان عرشا صغيرا لحكمة صامتة، وصحيفة كانت كتابا يوميا للعالم وهو يتجدد رغم كل شيء. إن الفقد ليس انقطاعا بل تحول في شكل العلاقة، فالمحب لا يغيب عن محبوبه، بل يتغير موضعه في الإدراك. وهكذا يصبح الأب بعد الرحيل أكثر حضورا من حضوره الأول، لأن الغياب يخلقه في الداخل خلقا جديدا، ويعيد ترتيبه في طبقات القلب، حيث لا زمن هناك إلا زمن الذكرى. ولعل من أعجب الأسرار أن الإنسان لا يفهم القرب إلا حين يذوق البعد، ولا يعرف الامتلاء إلا حين يفرغ منه. فكل امتلاء لا يتبعه فراغ لا يعول عليه، وكل فراغ لا يفتح باب الامتلاء لا يكتمل معناه. وهكذا يتحول الفقد إلى معلم صامت، يعلم القلب كيف يرى دون عين، وكيف يسمع دون أذن، وكيف يكون حاضرا في الغياب. إن الأب هنا ليس شخصا فقط، بل هو رمز للثبات في عالم يتغير، هو نقطة سكون في حركة الزمن، هو اليد التي كانت تشير إلى الحياة دون أن تشرحها، والجلوس الطويل أمام النافذة لم يكن فراغا، بل كان تأملا في كثافة الوجود وهو يتخفى في صورته اليومية.
وحين تقول الابنة إن الدنيا تقلصت أخباره حين تقلصت حركته، فإنها تكشف عن سر عميق، وهو أن العالم الخارجي ليس إلا انعكاسا لحركة الداخل، فإذا سكن الداخل، سكن العالم، وإذا انطفأ صوت قريب، خفتت أصوات كثيرة من حوله دون أن نعلم. وهنا يظهر سر آخر، أن الإنسان لا يعيش وحده في ذاته، بل يعيش في شبكة من الأرواح التي تشاركه المعنى. فإذا غاب واحد منها، تغير شكل الكون كله، ولو لم يلحظ الآخرون ذلك. يا من ترثي أباك في مقام اللغة، اعلمي أن اللغة نفسها تقف عاجزة أمام ما تقولين، لأن الألم حين يبلغ صفاءه يتحول إلى صمت فصيح، والصمت هنا ليس غيابا للكلام، بل امتلاء لا يسعه الكلام. وكأن القلب حين يفيض، يختار أن يسكت، لا لأنه لا يجد ما يقول، بل لأنه وجد كل شيء دفعة واحدة. ثم إن الرحيل لا يقطع، بل يغير شكل القرب. فالأب الذي كان يجلس على الكرسي، صار يجلس الآن في زاوية القلب، لا يغادرها، ولا يحتاج إلى دعوة، ولا ينتظر صباحا كي يقال له صباح الخير، بل صار هو الصباح ذاته في ذاكرة لا تغيب. إن كل حب حقيقي لا يزول، وكل حضور عميق لا ينقطع، بل يتحول إلى شكل آخر من الإدراك. وهكذا يصبح الحبيب غائبا في العين، حاضرا في البصيرة، بعيدا في الجسد، قريبا في المعنى. ومن هنا نفهم أن ما بين الإنسان ومن يحب ليس مسافة مكان، بل مسافة وعي. فإذا ارتقى الوعي، اختصرت المسافات، وإذا انخفض، اتسعت حتى يضيع القريب في البعيد.
يا ابنة الضوء الذي انكسر على نافذة الأب، إنك حين تبكين، لا تبكين فقدا فقط، بل تبكين إعادة تشكيل العالم في غيابه. وكل دمعة هي محاولة لإعادة ترتيب الكون بحيث يعود الأب إلى مكانه الأول، لا في الخارج، بل في الداخل الذي لا يزول. وهكذا تتجلى الحكمة في الألم، لا كعزاء سهل، بل ككشف صعب، أن كل شيء يمر، إلا المعنى الذي يتكون من المرور ذاته. وأن كل فناء في الظاهر هو بقاء في الباطن، وأن ما يظن غيابا هو في الحقيقة تحول في الصورة لا في الحقيقة. فيا من رأيت أباك يتأمل اللاشيء، كنت في الحقيقة ترينه يتأمل كل شيء، لأن من تجاوز حدود الأشياء يرى الكل في الجزء، ويرى الغيب في الشهادة، ويرى الحياة في سكونها الأعظم. وإن كان الوداع قد كتب على لحظة الجسد، فإن اللقاء لم يكتب على شيء، لأنه لا ينقطع. فالحب إذا استقر في جوهره، صار فوق الزمان، وصار الأب لا يزول، بل يتبدل موضعه من عين إلى قلب، ومن حضور إلى معنى، ومن صورة إلى نور. اللهم اجعل هذا الغياب حضورا لا يذبل، واجعل هذا الفقد بابا لفهم أوسع من الألم، واجعل القلوب التي أحبت لا تنكسر بل تتسع حتى تصير موطنا لما لا يفنى. وهكذا تمضي الابنة في مرثيتها، لا لتغلق بابا، بل لتفتحه على أفق لا نهاية له، حيث الأب ليس ذكرى فقط، بل حقيقة تتنفس في كل لحظة حب، وفي كل صباح يقال فيه صباح الخير، وإن لم يجب أحد، فإن العالم كله يجيب في صمت لا يسمعه إلا من أحب حقا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القوات الأمريكية تستهدف 5 ناقلات إيرانية وطهران ترد.. ما آخر


.. سفيرة فلسطين لدى فرنسا: -الأولوية هي إنهاء الاحتلال وتفكيك ا




.. تقرير نشرته -هآرتس- يؤكد تلقي نتنياهو تحذيرا إماراتيا قبل أي


.. الحوثيون يستهدفون 4 مدن في العمق السعودي.. ما دلالات هذه اله




.. صحافيون في تونس يحتجون على تضييق الحريات ويطالبون بالإفراج ع