الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مكالمة لم يرد عليها
أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي
(Osama Al-badran)
2026 / 4 / 26
الادب والفن
وردني اتصالٌ منها عند الساعة الحادية عشرة، قبل منتصف الليل بقليل.
لم أكن معتادًا على اتصالها بي دون تمهيد، دون رسالةٍ تسبق الاتصال كما كانت تفعل دائمًا؛ كانت تُفرغ نفسها من التزاماتها أولًا، ثم تكتب، ثم تتصل… هكذا تعوّدتُها.
لذلك، لم يكن الأمر مستغرِبًا بقدر ما كان صامتًا، عابرًا، كنسمةٍ لا تثير الانتباه.
ولم يدفعني ذلك الاتصال لأن أعيد الكرة وأتصل بها.
كان يومًا مُرهقًا… يومُ جمعةٍ بدأناه منذ الصباح الباكر، أنا ومجموعة من الأصدقاء، متجهين إلى صحراء الغرب، نحو بادية السماوة، لنخيم هناك ونترك خلفنا ضجيج المدن.
كانت الصحراء بالنسبة لي صفاءً خالصًا؛
مكانًا أستعيد فيه نفسي، حيث السماء مفتوحة بلا سقف، والأفق بلا حدود، والحجارة القديمة تهمس بأسرارٍ لا تُقال.
كنت أتأمل كل شيء… حتى شظايا الخزف المكسور.
وقفتُ طويلًا أمام قطعةٍ زجاجية من خزفية مهشّمة، أحدق فيها بعمقٍ غريب.
لم يخطر ببالي يومًا أنني قد أرى في الأشياء أكثر مما هي عليه… أو أنني قد أستبصر ما سيحدث لمن أحب.
لم أُرد أن أوهم نفسي بأنني بطلٌ من فيلم Final Destination،
ذلك الذي يرى المصير قبل وقوعه ويحاول تغييره، لكنه يفشل في كل مرة.
كنت أعرف أن الواقع أقسى من الخيال، وأننا—في النهاية—لا نُنقذ أحدًا من قدره.
لكن شيئًا ما كان مختلفًا.
أمسكتُ بقطعةٍ مزجّجة من تلك الخزفية، فانغرست حافتها في إبهامي.
جرحٌ طفيف… لم أُعره اهتمامًا.
مسحتُ الدم ومضيت، غير أن إحساسًا غريبًا بدأ يتسلل إليّ—حكّة خفيفة، كأنها إشارةٌ لا تُرى.
ومنذ تلك اللحظة، كلما تأملت شيئًا في تلك البرية، رأيت وجهها.
ضحكتها.
طريقتها في النظر إليّ…
كأن الصحراء كلّها تحوّلت إلى مرآةٍ تعكسها.
قبل يومين من تلك الرحلة، ذهبتُ إلى المكان الذي أخبرتني عنه—ذلك المنتجع الذي زارته.
دخلتُ مركز التسوق، وبدأت أتحسس الجدران والزجاج، كما لو أنني أبحث عن أثرٍ منها.
وفجأة…
اجتاحني شعورٌ غريب.
كأنها كانت هناك، تلمس الزجاج ذاته.
كأنني شعرتُ بألمها يسري في أطراف أصابعي.
رأيتُها تمشي بين الممرات، حزينة، مكسورة، تحاول أن تبدو طبيعية.
في ذلك اليوم…
التقت بزوجها.
وهناك، أخبرها—ببرودٍ قاتل—أنه خطب امرأةً أخرى.
أراد أن يكسرها.
أن يجرّدها من شموخها الذي طالما عُرفت به.
لكنها… أخفت ألمها.
ابتسمت.
وتابعت الحديث معه وكأن شيئًا لم يكن.
حين أخبرتني، كانت عيناها تلمعان…
لكن ذلك اللمعان لم يكن نورًا، بل انكسارًا.
كأنها كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها.
لم أعرف ماذا أقول.
لم أعرف كيف أواسيها.
هل أفرح لأنها قررت الانفصال؟
أم أحزن لأنها تألمت؟
أم أطلب منها أن تعيش سعيدة… تلك السعادة التي فشلتُ أنا في أن أمنحها لها قبل عقدين من الزمن
كانت 23 عاما من الفراق والضياع...
افترقنا فيها بسبب طيش الشباب، والحرب، والظروف التي لم ترحمنا.
حين اتصلت بي تلك الليلة، لم يكن ذلك بدافع الاشتياق.
كنت أعرف ذلك.
بل لأنها شعرت—بطريقتها—أنني الشخص الذي تلجأ إليه حين تتألم.
وهنا، كان خوفي الحقيقي.
ليس لأنني أحبها…
بل لأنني فشلت مرارًا في أن أثبت ذلك.
هذه المرة، لن أختبئ خلف اعتذارٍ آخر.
ولا اتحجج بالظروف.
فالحقيقة أبسط، وأقسى:
أنا خذلتها.
في تلك الرحلة، كنت صادقًا في شعوري.
أحسستُ بشيءٍ من ألمها… كأن الجرح في إبهامي لم يكن لي وحدي.
لكنني لم أكن أعلم أنها ستتألم مرتين.
الأولى… حين جُرحت من زجاجٍ متناثر، كسرته لحظة انكسارها.
والثانية… حين لم أكن إلى جانبها.
وأنا الآن…
أفكر بشيءٍ واحد فقط:
ليتني لم أعد من تلك الرحلة.
ليت الزمن توقف هناك، عند تلك الخزفية المكسورة.
ربما…
كنت سأنجو من محاولة إصلاح ما لا يُصلح،
أو ترميم علاقةٍ أكل عليها عقدان من الفراق،
أو تقديم ما تبقى من قلبي…
ذلك القلب الذي أنهكته الحياة،
وما زال—رغم كل شيء—يحبها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل