الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ثقافة تكرار الوجوه
داود السلمان
2026 / 4 / 26العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تكرار الوجوه في المجال الثقافي والإعلامي أصبح من القضايا التي تثير تساؤلات كثيرة في المجتمع العربي، والعراقي على وجه الخصوص، وربما العراق هو الأكثر في هذا المعترك. فالمتابع يلاحظ بسهولة أن نفس الأسماء تحضر في المؤتمرات، وتشارك في الندوات، وتظهر في البرامج، وتلقي القصائد ذاتها، وكأن الساحة لا تضم سواهم، أو هُم رؤوس هرم الثقافة، وينقطع الكلام. وبات من الواضح أن التكرار المستمر يعطي انطباعا بأن الفرص محدودة ومحصورة ضمن دائرة ضيقة، لا يُسمح لغيرها بالدخول، وهذه مصيبة عظمى، وطامة كبرى. وكان يفترض أن تكون الثقافة مجالا مفتوحا للجميع، يقوم على التنوع وتبادل الأفكار، والمشاركة الحقيقية للكل. وبالتالي عندما تهيمن مجموعة معينة على المشهد، فإن هذا التنوع يتراجع، وتصبح الساحة أقل حيوية. وهذا ليس من العقل والمنطق في شيء. فالأفكار الجديدة تحتاج إلى وجوه جديدة تحملها، وعندما يتم تجاهل هذه الوجوه، تضيع الكثير من الطاقات والإبداعات التي كان يمكن أن تضيف قيمة حقيقية، وتأخذ دورها، على أقل تقدير. لكن أن تستحوذ وجوه بعينها، وتتكرر في كل مناسبة، ومحفل، فهذا لا يقبله العقل، ويرفضه الوجدان السليم.
والثقافة هذه، تعتبر من أخطر آثار الإحباط الذي يصيب المبدعين بكل الوانهم، وقد يجعل منهم من يعيد النظر في الأشخاص الذين أنتخبهم، وجاء بهم الى هذا المكان، وقبل الانتخابات وعدوهم وبعود معسولة. والنتيجة تظهر عكس ما هي عليه الآن. والأمر غالبا مرتبط بالمصالح والعلاقات الشخصية. كما أن الشهرة تلعب دورا مهمًا، حيث يتم اختيار الأسماء المعروفة لضمان الحضور والتغطية الإعلامية، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة أحيانا، بل المحسوبية والهيمنة هي السمة العامة لهذا الثقافة.
والمشكلة لا تكمن في حضور هذه الشخصيات بحد ذاته، فبعضهم يمتلك خبرة وكفاءة حقيقية، لكن الإشكال يظهر عندما يتم إقصاء الآخرين، خصوصا الأصوات التي لها حضور متواصل مع الثقافة، والعذر أنهم خارج هذه الدوائر. في هذه الحالة، تتحول الثقافة من مساحة مفتوحة للإبداع والتنوع إلى مساحة ضيقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. وستبقى هذه الهيمنة تؤثر سلبا على تطور المشهد الثقافي. فالثقافة بطبيعتها تحتاج إلى التجديد، وإلى اختلاف الأفكار والأساليب. وعندما تسيطر مجموعة محددة على المنصات، فإنها غالبا ما تفرض رؤيتها الخاصة، مما يؤدي إلى تكرار نفس الخطاب وضعف الابتكار. كما أن الجمهور بدوره يبدأ بالشعور بالملل، لأنه يرى نفس الوجوه ويسمع نفس الطروحات.
وبالتالي لابد من التخلص من هذه السياسة، وهذا لا يحدث بسرعة، لكنه ممكن. والبداية تكون بالاعتراف بوجود المشكلة، ثم العمل على وضع آليات عادلة تضمن تكافؤ الفرص. ومن المهم أن تفتح هذه المؤسسات أبوابها للوجوه غير المتكررة، وأن يتم اختيار المشاركين بناء على الكفاءة والتنوع، لا على العلاقات والمحسوبية.
وأخيرا، الثقافة الحقيقية لا تقوم على أسماء ثابتة، بل على حركة مستمرة من الأفكار والأصوات، وتجديد الوجوه ورفض المستنسخة منها. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، أصبحت الثقافة أكثر قوة وتأثيرا، فالتكرار يعني هشاشة البنية الثقافية. وهذا ما يراه الكثير من المعنيين في الأمر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس الإيراني يقول إن التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئ
.. افتتاح استثنائي.. الكنيسة الملكية في قصر فرساي تفتح أبوابها
.. خارج الصندوق | حصار شامل.. أميركا تضرب الإخوان في كل مكان
.. بعد تكريم شيخ الأزهر له.. الطفل أنس يبدع في تلاوة القرآن بدو
.. إدانة عربية وإسلامية لانتهاكات الاحتلال في القدس