الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي

جعفر حيدر

2026 / 4 / 26
قضايا ثقافية


بقلم / جعفر حيدر
في مدينتي، لم تُولد البطولة من فراغ، بل خرجت من رحم المعاناة، ومن عمق الحالات الإنسانية التي أنهكت كاهل الناس، لكنها لم تكسر إرادتهم؛ هناك رجال لا يوقفهم برد الشتاء، ولا تهزهم رياح الأزمات، نهضوا بروحٍ صلبة من صميم اليأس، ليصنعوا من الألم قوة، ومن العجز مبادرة، ومن الصمت صوتًا يُسمع، فساروا بين أزقة مدينة الحمزة الشرقي، حاملين على عاتقهم وجع الآخرين، وساعين لتخفيفه بما استطاعوا من جهد وإمكان.
هؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد أسماء عابرة، بل كانوا حضورًا حيًا في تفاصيل المعاناة اليومية؛ فمنهم من وقف مع مرضى الفشل الكلوي، ومنهم من سعى لتأمين عمليات جراحية كقص المعدة لمن أثقلهم المرض، ومنهم من جاب أطراف المدينة بحثًا عن الأيتام، ليجمع التبرعات ويعيد ترميم بيوتهم المتصدعة، ومنهم من سخّر منصاته الإعلامية لتسليط الضوء على الحالات المستعصية، مؤمنًا بأن إيصال الصوت لا يقل أهمية عن تقديم العون.
ومن باب الإنصاف، لا بد من ذكر بعض هذه الأسماء التي أثبتت أن الإنسانية لا تحتاج إلى مناصب، بل إلى ضمير حي: جميل أبو فهد، أحمد خضير، ميرزا أمير، منتظر ثائر الفتلاوي – أخو الشهيد سليمان ثائر الفتلاوي –، مالك تكليف المرجاني، والشاب محمود شاكر الذي كان له دور واضح في توجيه الإعلام نحو الحالات الإنسانية لزيادة التبرعات وإيصال صوتهم إلى الناس.
إن ما يقوم به هؤلاء، ومعهم الكثير من الأبطال المجهولين، هو صورة حقيقية لوجه العراق المشرق، ذلك الوجه الذي لا تلوثه الصراعات السياسية ولا تُطفئه الأزمات الاقتصادية، ففي ظل تراجع بعض المؤسسات الخدمية، وتفاقم الأزمات المتعددة، برزت روح التكافل الاجتماعي كبديل حي وفعّال، خاصة في الأقضية والنواحي التي تعيش محدودية الإمكانيات، لكنها غنية بإنسانيتها وتراحم أهلها.
إن المجتمع العراقي، بطبيعته، يميل إلى الوحدة والتكافل، وربما يمكن وصف هذه الحالة بنوع من "الاشتراكية الإنسانية" الفطرية، التي تدفع الناس إلى تقاسم الألم قبل الفرح، والسعي الجماعي لتجاوز الأزمات، بعيدًا عن الانقسامات والتحزبات، متجهين نحو هدف واحد: إنقاذ الإنسان وصون كرامته.
ولعل تقديم هذا النموذج إلى المنصات الدولية، كمنصة "الحوار المتمدن"، هو رسالة واضحة إلى العالم بأن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به من تقلبات سياسية وانهيارات خدمية وأزمات معيشية، لا يزال قادرًا على إنتاج الأمل، وصناعة الحياة من قلب المعاناة، وأن في مدنٍ بسيطة مثل الحمزة الشرقي، ما يستحق أن يُروى، وأن يُحتذى به كنموذج إنساني حي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تصريحات غير مسبوقة من ترامب وعون.. ماذا ينتظر لبنان؟ | #الظه


.. شبكات | صراصير لإنقاذ البشر.. ما قصة -السايبورغ- الياباني؟




.. موازين | السودان.. صراع الجغرافيا والنفوذ وخطر التقسيم


.. الهجرة العكسية تتصاعد في إسرائيل وسط تدهور أمني وأزمة معيشية




.. أزمة مالية خانقة تهدد الجاهزية العسكرية للجيش الأمريكي بسبب