الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان

يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)

2026 / 4 / 26
حقوق الانسان


في مدرسة "ميزان القرب"، لا تُقاس الحوادث بحدّتها فقط، بل بالمسافة التي يقطعها الإنسان بعيداً عن إنسانيته قبل أن يقع الفعل. فالجريمة لا تبدأ من اللحظة الأخيرة، بل من انزياح طويل في الإدراك، حين يتوقف الإنسان عن رؤية الآخر كقيمة، ويبدأ برؤيته كأداة داخل صراع داخلي لا علاقة للآخرين به.
حادثة أطفال الكرك الثلاثة ليست مجرد فعل صادم، بل انهيار كامل في ميزان القرب داخل نفس إنسان كان يُفترض أن يكون مصدر أمان. الأب، في المعنى الطبيعي، هو أعلى نقطة حماية في حياة الطفل. لكنه حين ينقلب هذا الدور، لا نكون أمام "خلاف أسري"، بل أمام اختلال وجودي في معنى الأبوة نفسه.

في هذه اللحظة، لا يعود الفعل مجرد تجاوز، بل يصبح دليلاً على فقدان الفقه الإنساني قبل أي توصيف آخر. لأن الفقه الحقيقي ليس نصوصاً تُتلى فقط، بل قدرة داخلية على ضبط النفس عند حدود الدم، وعلى إدراك أن الأطفال ليسوا طرفاً في أي نزاع، مهما كان حجمه. وعندما يُكسر هذا الحد، يسقط المعنى قبل أن تسقط الحياة.
الطلاق، في أصله، انتقال في شكل العلاقة بين بالغين. لكنه حين يتحول إلى ساحة انتقام، يختل ميزان القرب. النفقة، وهي حق قانوني وإنساني للأطفال، تصبح في عقل مضطرب رمز صراع بين أطراف لا يجب أن يختلطوا أصلاً بمصير الصغار. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين تُسحب البراءة إلى ساحة الكبار.
وفي قلب هذا المشهد، تقف المرأة المطلقة، ليست كخصم، بل كإنسان لجأ إلى القانون ليحميه من الفوضى. امرأة اختارت الطريق الشرعي لتأمين حياة أطفالها واستعادة توازنها بعد انفصال، لكنها وجدت نفسها أمام عقل لم يعد يعترف بأي حدود. لا حدود قانون، ولا حدود أخلاق، ولا حتى حدود أبوة.

وهنا تتكشف قسوة الصورة:
القانون وحده لا يكفي عندما يفقد أحد الأطراف اتصاله بالمعنى الإنساني نفسه. لأن المشكلة لم تعد نزاع حقوق، بل انهيار إدراك يجعل الطفل نفسه جزءاً من الرد.
ميزان القرب يشرح هذا الانزلاق بوضوح: كلما ابتعد الإنسان عن رؤية الآخر كـ"قريب إنساني"، اقترب من تبرير ما لا يُبرر. وعندما يصل هذا الانفصال إلى أقصاه، لا يعود الألم نتيجة الفعل فقط، بل نتيجة فقدان القدرة على إدراك أن هناك خطاً أصلاً لا يجب تجاوزه.
هذه ليست لحظة ضعف، بل لحظة انهيار. انهيار في الفقه، في الرحمة، وفي الحد الأدنى من المسؤولية التي تجعل الإنسان صالحاً لحمل صفة الأب.
وفي المحصلة، ما حدث لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو انفعال خرج عن السيطرة. بل هو فعل يفرض أقصى درجات الحزم القانوني، لأن المجتمع لا يستطيع أن يترك مثل هذا الانهيار بلا ردع واضح، وإلا تحول الاستثناء إلى احتمال متكرر.

وفي الوقت نفسه، تفتح هذه الحادثة سؤالاً أوسع من الفرد نفسه:
كيف نحمي الطرف الأضعف عندما يخرج أحد الأطراف من دائرة الإنسانية إلى منطقة لا تعترف بأي ضوابط؟
المرأة المطلقة، في هذا السياق، ليست طرفاً في نزاع، بل نموذج لإنسان يحاول أن يعيش ضمن القانون، لكنه يصطدم أحياناً بمن لا يعترف بالقانون أصلاً في لحظات الغضب. وهنا يصبح دور المجتمع والدولة ليس فقط تنظيم العلاقة، بل وضع حدود صارمة تمنع تحويل الخلافات إلى كوارث.

في ميزان القرب، لا قيمة لمجتمع لا يستطيع حماية أضعف نقاطه. ولا معنى لقانون لا يُفعّل عندما ينهار الإنسان من الداخل. ولا يمكن لأي نظام أن يستمر إذا تُركت المسافات بين الغضب والفعل بلا رادع.
وفي النهاية، هذه ليست قصة عن أب وأطفال فقط، بل عن ميزان كامل اختل:
ميزان حين يسقط، لا يعود الأب أباً، ولا الخلاف خلافاً، ولا الإنسان إنساناً كما يجب أن يكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات


.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف




.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود


.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول




.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط