الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تسوية ديون شركة كورك بين منطق العدالة التصالحية ومتطلبات السيادة المالية للدولة: قراءة نقدية في الأثر المالي والمؤسسي
عامر عبد رسن
2026 / 4 / 27الادارة و الاقتصاد
مقدمة: من أداة إصلاح إلى إشكالية سيادية
لم تعد مسألة “التسوية” في الديون الحكومية شأنا قانونيا تقنيا فحسب، بل تحولت في السياق العراقي إلى قضية سيادية تمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواردها، وبين السلطة العامة ومبدأ سيادة القانون. فالتسوية، التي نشأت أصلا كأداة لتحقيق العدالة التصالحية وإعادة التوازن بين الجاني والمجتمع، أخذت في التطبيق العملي مسارا مغايرا حين امتدت إلى ديون حكومية ذات طبيعة سيادية، كما في حالة شركة كورك.
وإذا كانت السؤال البرلماني لهيئة الاعلام والاتصالات ، الموجه من النائب د.هيام الياسري يعكس بوضوح قلقا مؤسسيا مشروعا من قيام هيئة الإعلام والاتصالات بتسوية ديون شركة كورك، فإن هذا القلق لا ينحصر في واقعة بعينها، بل يكشف عن خلل أعمق في فلسفة إدارة المال العام في العراق، حيث تتحول أدوات استثنائية (كالتسوية) إلى بدائل عن القواعد الأصلية (كقانون استحصال الديون).
وسنسعى هنا إلى تفكيك هذه الإشكالية من زاوية مالية–قانونية، عبر تحليل أثر التسوية على الإيرادات العامة، وبيان التناقض بين منطق التسوية ومقتضيات حماية المال العام، وصولا إلى تقديم إطار إصلاحي يعيد ضبط هذا المفهوم ضمن حدود الدولة القانونية.
أولا: في الطبيعة السيادية للديون الحكومية واستحالة إخضاعها لمنطق التسوية
لا يمكن النظر إلى الديون الحكومية بوصفها مجرد التزامات مالية قابلة للتفاوض أو التعديل وفق اعتبارات ظرفية، بل هي في حقيقتها تجسيد لحق سيادي تمارسه الدولة في إدارة مواردها العامة، وتمثل أحد أركان سلطانها المالي. فهذه الديون – ولا سيما تلك الناشئة عن عقود الامتياز أو التراخيص أو عوائد الموارد العامة – لا تنشأ في إطار علاقة تعاقدية متكافئة بين طرفين، بل في إطار علاقة قانونية تتجلى فيها سلطة الدولة بوصفها صاحبة الحق الأصيل.
ومن ثم، فإن إخضاع هذه الديون لمنطق التسوية، بما يتضمنه من تفاوض وتنازل جزئي أو إعادة تقدير، لا يعد مجرد إجراء مالي، بل يمثل انزياحا خطيرا عن مبدأ جوهري مفاده أن المال العام غير قابل للتصرف إلا وفق أحكام القانون وبما يحقق المصلحة العامة على وجه اليقين. إذ كيف يجوز للدولة أن تفاوض على حقها السيادي، وهي الجهة المنوط بها حمايته وصيانته؟
ثانيا: في التعارض البنيوي بين التسوية ومنظومة استحصال الديون الحكومية
إن النظام القانوني العراقي لم يترك مسألة استرداد المال العام لاعتبارات الاجتهاد أو المرونة الإدارية، بل أحاطها بسلسلة من النصوص الصارمة التي تهدف إلى ضمان تحصيلها كاملا دون نقصان. فجاء قانون استحصال الديون الحكومية وقانون التضمين ليؤسسا لقاعدة آمرة مفادها أن الالتزام المالي تجاه الدولة لا يخضع للتفاوض، وإنما يستوفى وفق إجراءات تنفيذية محددة، تستند إلى الإلزام لا إلى التراضي.
وعندما تستبدل هذه القاعدة بآلية التسوية، فإننا لا نكون بصدد تطوير تشريعي، بل أمام حالة من التعارض البنيوي بين منطقين قانونيين متباينين: منطق الإلزام الذي يحكم المال العام، ومنطق التفاوض الذي يحكم العلاقات الخاصة. وهذا التعارض لا يظل نظريا، بل ينعكس عمليا في صورة ازدواجية في التطبيق، تضعف من هيبة القانون، وتفتح الباب أمام تفسيرات متباينة قد تصل إلى حد التناقض.
ثالثا: في الأثر المالي المباشر للتسوية بوصفها استنزافا للإيرادات العامة
إن أي تسوية تنطوي بطبيعتها على إعادة تقدير للدين، وغالبا ما تنتهي إلى تخفيضه، سواء بشكل صريح أو ضمني. وهذا التخفيض، مهما كانت مبرراته، يمثل في جوهره اقتطاعا من الإيرادات المستحقة للخزينة العامة، أي أنه خسارة مالية مباشرة تتحملها الدولة.
وليس من المبالغة القول إن هذه الخسارة لا تقتصر على رقم مجرد، بل تمتد آثارها إلى بنية الموازنة العامة ذاتها، حيث تفقد الدولة جزءاً من قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية، وتضطر – في المقابل – إلى تعويض هذا النقص عبر وسائل أخرى، قد تكون أكثر كلفة على الاقتصاد الوطني، كزيادة الاقتراض أو تقليص الإنفاق الاستثماري. وهكذا تتحول التسوية من إجراء إداري إلى عامل مؤثر في الاستقرار المالي للدولة.
رابعا: في الأثر غير المباشر للتسوية وإنتاج “عدوى مالية” تهدد الانضباط العام
إذا كانت الخسارة المباشرة تمثل الوجه الظاهر للتسوية، فإن وجهها الأخطر يكمن في آثارها غير المباشرة، والتي يمكن وصفها بـ”العدوى المالية”. إذ أن إقدام الدولة على تسوية دين كبير مع جهة معينة يخلق سابقة عملية تغري باقي المدينين باتباع النهج ذاته، من خلال الامتناع عن السداد أو تأجيله، انتظارا للحصول على تسوية مماثلة.
وبمرور الوقت، يتحول هذا السلوك إلى نمط عام يقوض ثقافة الامتثال، ويضعف الالتزام الطوعي بالقانون، وهو ما يؤدي إلى تآكل تدريجي في الإيرادات العامة، ليس بسبب عجز الدولة عن التحصيل، بل بسبب تراجع إرادة الالتزام لدى المكلفين أنفسهم. وهنا تتجلى خطورة التسوية لا كحادثة منفردة، بل كآلية تنتج آثارا تراكمية تهدد النظام المالي برمته.
خامسا: في انحراف مفهوم العدالة التصالحية عند تطبيقه على المال العام
إن العدالة التصالحية، في أصلها الفلسفي، تقوم على إعادة التوازن بين الجاني والمتضرر عبر التعويض والمصالحة، وهي بذلك تفترض وجود طرف متضرر محدد يمكنه التنازل عن حقه. غير أن هذا الافتراض لا ينطبق على جرائم المال العام، حيث يكون المتضرر هو المجتمع بأسره، والدولة مجرد ممثل له.
ومن هنا، فإن تطبيق التسوية في هذا المجال يمثل انحرافا عن جوهر العدالة التصالحية، لأن الدولة لا تملك – من الناحية القانونية والأخلاقية – سلطة التنازل عن حق المجتمع، ولا يجوز لها أن تستبدل المساءلة الكاملة بتسوية مالية قد لا تعكس حجم الضرر الحقيقي. إن المال العام لا يصالح عليه، لأنه ليس ملكا لمن يفاوض عليه، بل أمانة في ذمته.
سادسا: في المؤشرات المؤسسية للخلل في إدارة ملف التسويات
إن الوقائع التي أثيرت في سياق تسوية ديون شركة كورك تكشف عن مجموعة من المؤشرات التي لا يمكن تجاهلها، إذ تدل على وجود خلل مؤسسي يتجاوز الحالة الفردية. فمن ذلك، رفع إجراءات الحجز قبل استيفاء الدين بالكامل، وهو ما يعكس خللا في ترتيب الأولويات التنفيذية، حيث يقدم التيسير على حساب الاستيفاء.
كما أن غياب الضمانات الكافية يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمعايير الإدارة المالية الرشيدة، إذ كيف يعقل أن تتخلى الدولة عن أدواتها الضامنة دون أن تضمن استرداد حقها؟ ويزداد الأمر تعقيدا حين يلاحظ ضعف التنسيق بين الجهات الرقابية، بما يؤدي إلى تفكك في منظومة الإشراف، ويفقد القرار المالي توازنه المؤسسي.
سابعا: في تأثير التسوية على مبدأ الردع والثقة العامة
إن القانون لا يحقق غايته بمجرد وجود النص، بل بقدرته على تحقيق الردع العام والخاص. وعندما تتاح للمدين إمكانية التهرب من التزاماته عبر تسوية لاحقة، فإن ذلك يضعف من الأثر الردعي للقانون، ويحول المخالفة إلى مخاطرة محسوبة يمكن إدارتها لاحقا.
ولا يقف الأمر عند حدود الردع، بل يمتد إلى الثقة العامة، إذ يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق على قدم المساواة، وأن هناك تمييزا بين من يلزم بالسداد الكامل، ومن يمنح فرصة التفاوض والتخفيض. وهذا الشعور، متى ما ترسخ، يقوض شرعية النظام القانوني برمته، ويضعف الانتماء إلى فكرة الدولة ذاتها.
ثامنا: في إعادة توصيف الإشكالية: خلل في التطبيق أم في المفهوم؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة تكمن في مفهوم التسوية ذاته، غير أن التحليل الدقيق يكشف أن الخلل الحقيقي يكمن في بيئة التطبيق. فالتسوية، كأداة قانونية، ليست شرا مطلقا، بل قد تكون في بعض الحالات وسيلة عملية لاسترداد جزء من الدين حين يتعذر تحصيله كاملا
غير أن هذا الاستخدام الاستثنائي يتطلب إطارا صارما يضمن عدم تحول التسوية إلى قاعدة عامة، وهو ما لم يتحقق في الواقع العملي. وعليه، فإن الإشكالية ليست في وجود التسوية، بل في غياب الضوابط التي تحكمها، وفي تداخل الاعتبارات السياسية مع القرار المالي، بما يفقده حياده واستقلاله.
تاسعا: في متطلبات الإصلاح وإعادة ضبط مفهوم التسوية
إن معالجة هذه الإشكالية تقتضي إعادة بناء الإطار القانوني للتسوية على أسس واضحة، تبدأ بتكريس مبدأ عدم قابلية المال العام للتفاوض إلا في أضيق الحدود، وتحت رقابة قضائية ومالية صارمة. فلا يجوز أن تبرم أي تسوية قبل تثبيت الدين بالكامل، ولا أن يقبل أي تخفيض في قيمته إلا إذا تحقق للدولة ما يعادل أو يفوق هذا التخفيض من حيث المصلحة العامة.
كما ينبغي أن تربط التسوية بمتطلبات الشفافية، من خلال نشر تفاصيلها وإخضاعها للرقابة البرلمانية، وأن تدعم بضمانات مالية حقيقية تكفل تنفيذها، لا أن تظل مجرد تعهدات قد لا تنفذ. وفوق ذلك كله، يجب أن تجرم أي تسوية تنطوي على تفريط بالمال العام، باعتبارها شكلا من أشكال الإضرار العمدي بالمال العام.
ختاما: السيادة المالية بين التفاوض والاسترداد
إن التسوية، حين تستخدم خارج إطارها الصحيح، لا تكون مجرد أداة قانونية، بل تتحول إلى مؤشر على طبيعة الدولة ذاتها: هل هي دولة تدار مواردها بمنطق السيادة والانضباط، أم بمنطق التفاوض والمساومة؟
إن حماية المال العام لا تتحقق بإعادة جزء منه، بل بضمان استرداده كاملا، وبترسيخ مبدأ أن الحقوق السيادية لا تخضع للتفاوض، لأنها ليست محلا للتراضي، بل عنوانا لسلطان الدولة وهيبتها. ومن هنا، فإن إعادة ضبط مفهوم التسوية ليست خيارا إصلاحيا فحسب، بل ضرورة وجودية لصيانة النظام المالي، واستعادة الثقة في دولة القانون. وإلا فإن كل تسوية اليوم، مهما بدت مبررة، ستتحول غدا إلى سابقة تقوض ما تبقى من الانضباط المالي للدولة.
كما إيقاف أي تسوية للديون الحكومية ذات الطبيعة السيادية – ومنها ديون شركات الاتصالات – إلى حين إصدار إطار قانوني موحد يخضع لرقابة قضائية ومالية صارمة، يضمن استرداد المال العام كاملا دون نقصان، ويعيد الاعتبار لمبدأ أن السيادة المالية لا تسوى… بل تسترد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض
.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ
.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار
.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة
.. تعمير-هل سيتم إعادة تقييم العقارات المعافاة من الضرائب مسبقً