الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ الثقافي وصلته بالسياسة في العراق
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 4 / 28قضايا ثقافية
اعلم أن التاريخ إذا لم يُنظر فيه بعين البصيرة، انقلب إلى أخبارٍ متفرقة لا يجمعها نظام، ولا يُستخرج منها اعتبار، وأن المؤرخ إذا اقتصر على ظاهر الروايات، ولم ينفذ إلى باطنها، كان كمن يجمع الحطب في ظلامٍ لا يهتدي به إلى نار. وإنما يُعد من أهل هذا الفن من جمع بين الرواية والدراية، وربط الحوادث بأسبابها، ونظر في أحوال الاجتماع الإنساني بما يُظهر علله ونتائجه. ومن هذا الصنف يُعد الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري، إذ كان من الذين ولجوا ميداناً دقيقاً من ميادين التاريخ، وهو ميدان العلاقة بين الفكر والسياسة، وهو من أعسر الأبواب، وأشدها التباساً. فإن السياسة في ظاهرها أفعال وسلوكيات، والفكر في جوهره تصورات ومعانٍ، والجمع بينهما يقتضي فهماً مزدوجاً، لا يكتفي بظاهر الحدث، ولا يغفل عن باطن الفكرة. ومن هنا كان اشتغال النصيري بهذا الباب دليلاً على سعة نظره، وقوة آلته، إذ لم يكن ممن يقنعون بالتاريخ السياسي المجرد، ولا ممن يكتفون بالتاريخ الفكري المنعزل، بل سعى إلى الجمع بينهما، فخرج بعملٍ يُبين أثر الفكر في توجيه السياسة، وأثر السياسة في تشكيل الفكر. وكانت نشأته العلمية في رحاب جامعة بغداد، حيث تلقى علومه في التاريخ على مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، فكان من المتفوقين في كل مرحلة، مما يدل على رسوخ قدمه في هذا الفن منذ بداياته. وقد اختار في دراسته للماجستير موضوعاً يتعلق بشخصية سياسية بارزة، وهو "نوري السعيد"، فدرس دوره في السياسة العراقية، مما أتاح له الوقوف على طبيعة العمل السياسي في العراق الحديث. ثم انتقل في دراسته للدكتوراه إلى موضوعٍ أوسع، وهو "دور المجددين في الحركة الفكرية والسياسية في العراق 1908-1932"، فجمع فيه بين الفكر والسياسة، وبين النخبة والمجتمع.
وهذا الانتقال من دراسة الفرد إلى دراسة الظاهرة يدل على تطور في منهجه، إذ انتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الخاص إلى العام، وهو ما ينبغي أن يسلكه الباحث إذا أراد أن يُحيط بالموضوع من جميع جوانبه. وقد كان في هذا العمل متتبعاً لأحوال المثقفين، وما كان لهم من أثرٍ في تحريك المجتمع، وفي توجيه مساراته. ولم يكن اختياره لهذه الفترة الزمنية اعتباطاً، بل لأنها كانت مرحلة تحول في تاريخ العراق، شهدت بروز تيارات فكرية جديدة، وتأثرت بما جرى في الدولة العثمانية من إصلاحات، وما أعقب ذلك من أحداثٍ كبرى، منها الحرب العالمية الأولى، وثورة 1920، وبدايات قيام الدولة الحديثة. فكان لهذه المرحلة أثرٌ في تشكيل الوعي، وفي بروز طبقة المثقفين بوصفها قوةً فاعلة في المجتمع. وقد تناول النصيري في كتابه هذا أحوال هذه النخبة، مبيناً أصولها الاجتماعية، ومستواها التعليمي، واهتماماتها الفكرية، وعلاقتها بالسلطة، ودورها في الأحداث. ولم يقف عند حدود الوصف، بل سعى إلى التحليل، فبيّن كيف أسهمت هذه النخبة في نشر أفكار التجديد، وفي الدعوة إلى الإصلاح، وفي طرح قضايا جديدة، منها مسألة التعليم، ومكانة المرأة، والإصلاح الاجتماعي. وكان من شأنه في هذا العمل أن اعتمد على طائفةٍ واسعة من المصادر، من وثائق رسمية، وصحف، ومذكرات، ونتاجات أدبية، مما يدل على سعة اطلاعه، وعلى حرصه على استقصاء المادة من مظانها المختلفة. ولم يكن في ذلك تابعاً للمصادر، بل كان ناقداً لها، يُميز بين ما يُقبل وما يُرد، ويُخضعها لمعيارٍ علمي، فلا يأخذ منها إلا ما ثبت عنده صحته.
ومن خصائصه أيضاً تمكنه من اللغات الأجنبية، ولا سيما اللغة الإنكليزية، ومعرفته بشيءٍ من اللغة البولونية، مما أتاح له الاطلاع على مصادر قد لا تكون في متناول غيره. وهذا مما يزيد الباحث قدرةً على التحقق، ويُعينه على تجاوز حدود ما هو متداول في بيئته، فيُقارن بين الروايات، ويُدقق في الأخبار. وإذا نظرنا إلى أسلوبه في الكتابة، وجدناه واضحاً، بعيداً عن التعقيد، مع عمقٍ في الفكرة، ودقةٍ في التعبير. فإنه لا يُغرق في الزخرف اللفظي، ولا يُهمل جانب البيان، بل يسير بين ذلك مسيراً معتدلاً، يُقرب المعنى إلى القارئ، ويُعينه على الفهم. وهذا مما يُعد من محاسن الكتابة العلمية، فإن الغاية منها البيان، لا الإبهام. ولم يكن عمله مقصوراً على هذا الكتاب، بل له مؤلفات أخرى، منها "دراسات ليبية في التاريخ الحديث والمعاصر"، وهو يدل على اتساع اهتمامه ليشمل مناطق أخرى من العالم العربي، ومنها زنجبار، حيث كتب في تاريخها، وفي دورها في الحضارة العربية في شرق أفريقيا. وهذا التوسع في الاهتمام يُكسبه رؤيةً أوسع، ويُعينه على المقارنة بين الأقاليم. وقد كتب أيضاً في موضوعات متعددة، منها أثر الصحافة في التطور الفكري، والتحديث في الدولة العثمانية، ونمو الوعي القومي، مما يدل على أنه كان يُعنى بالتحولات الفكرية، وبما يطرأ على المجتمعات من تغيرات في الوعي. وهذا اللون من البحث يحتاج إلى اطلاعٍ على الأدب، والفكر، والفلسفة، وهو ما كان له منه نصيب.
ومن جهة العمل، اشتغل بالتدريس في مراحل مختلفة، فكان مدرساً في المدارس، ثم في المعاهد، ثم في الجامعات، داخل العراق وخارجه، ولا سيما في ليبيا، حيث قضى سنواتٍ في التدريس، وتولى رئاسة قسم التاريخ، وأسهم في الإشراف على عددٍ من الرسائل والأطاريح. وهذا العمل التعليمي يُعد من أهم ما يقوم به العالم، إذ به ينقل علمه إلى غيره، ويُسهم في تكوين جيلٍ جديد من الباحثين. وقد أشرف على عددٍ كبير من الرسائل والأطاريح في موضوعات متنوعة، منها ما يتعلق بالتاريخ العربي، ومنها ما يتعلق بالتاريخ الأفريقي، ومنها ما يتعلق بالعلاقات الدولية. وهذا التنوع في الإشراف يدل على سعة معرفته، وعلى قدرته على توجيه الباحثين في مجالات مختلفة. ولم يكن بعيداً عن العمل المؤسسي، بل تولى مناصب إدارية، منها رئاسة جامعة واسط، وهو منصبٌ يدل على ثقة المؤسسة به، وعلى قدرته على إدارة شؤونها. وهذا الجمع بين البحث والإدارة من الأمور التي تُكسب صاحبه خبرةً في فهم الواقع، وتُعينه على الربط بين النظر والعمل.
وإذا نظرنا إلى منهجه في البحث، وجدناه ملتزماً بالمنهج التاريخي العلمي، من حيث الاعتماد على المصادر الأصلية، وتحليلها، ومقارنتها، واستخلاص النتائج منها. وهو في ذلك لا يكتفي بالعرض، بل يسعى إلى الفهم، وإلى وضع الحدث في سياقه الزماني والمكاني، وربطه بما قبله وما بعده. ومن هنا يظهر أنه كان من أهل المدرسة التاريخية العراقية، التي تقوم على التحقيق، والاعتماد على الوثائق، والحرص على الدقة. وقد تتلمذ على يد نخبةٍ من المؤرخين، منهم من كان له أثرٌ في توجيهه، وفي تكوينه العلمي، مما يُبين أن العلم يُؤخذ عن أهله، وأن السند في المعرفة له أثرٌ في جودة العمل. وإذا أردنا أن نُقوّم عمله، قلنا إنه قد أسهم في إحياء جانبٍ من التاريخ الثقافي في العراق، وهو جانبٌ كثيراً ما يُهمل، لانصراف الباحثين إلى التاريخ السياسي أو العسكري. غير أن هذا الجانب لا يقل أهمية، إذ به يُفهم ما يجري في المجتمع من تحولات، وما يظهر فيه من تيارات. وقد أظهر في أعماله أن المثقفين لم يكونوا على هامش الأحداث، بل كانوا في صلبها، يسهمون في توجيهها، ويتأثرون بها. وهذا مما يُغير النظرة إلى التاريخ، ويُخرجه من كونه تاريخاً للسلطة وحدها، إلى كونه تاريخاً للمجتمع بأسره. وإذا تأملت في هذا الباب، وجدت أن العلاقة بين الفكر والسياسة تشبه ما يكون في العمران من تداخل القوى، فإن الفكر يُنشئ التصورات، والسياسة تُطبقها في الواقع، فإذا كان الفكر ضعيفاً، كانت السياسة مضطربة، وإذا كان الفكر قوياً، كانت السياسة أكثر استقراراً. وهذا ما يُبينه عمل النصيري، إذ يُظهر كيف أسهمت الأفكار في تشكيل الواقع السياسي. وعلى الجملة، فإن الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري كان من المؤرخين الذين جمعوا بين سعة الاطلاع، ودقة المنهج، ووضوح العبارة، واتساع الموضوع. وقد كان لعمله أثرٌ في الدراسات التاريخية، ولا سيما في ما يتعلق بالتاريخ الثقافي، والعلاقة بين الفكر والسياسة. وإنما يُذكر أمثال هؤلاء لا لمجرد الثناء، بل للاعتبار، فإن من نظر في سيرهم، عرف أن العلم يحتاج إلى صبرٍ، وإلى جهدٍ، وإلى إخلاص، وأن من سلك هذا الطريق، كان له من الأثر ما يبقى بعده. وهذا هو المقصود من العلم، أن يكون نافعاً، وأن يُسهم في فهم الماضي، وتوجيه الحاضر، واستشراف المستقبل. فإذا تقرر ذلك، علمت أن التاريخ ليس علماً يُؤخذ على عجل، ولا يُنال بلا كلفة، بل هو صناعة تحتاج إلى أدوات، وإلى نظرٍ ثاقب، وإلى عقلٍ ناقد. ومن جمع هذه الخصال، كان له في هذا الفن نصيب، كما كان لعبد الرزاق النصيري، الذي سعى في هذا الميدان، فكان له فيه ذكر، وأثر، وعملٌ يُرجى أن يبقى ما بقيت الحاجة إلى فهم التاريخ وأحوال العمران.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قيود بريطانية على منتجات المستوطنات وإسرائيل ترد بإجراءات مض
.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع سعودية والمعارك تتصاعد قرب باب
.. سرقة لوحات نادرة لرينوار من متحف فرنسي في عملية خاطفة
.. صفعتان في يوم واحد: هل يبدأ حصار نتنياهو بعد التصعيد الأوروب
.. بعد استهداف ناقلات إيرانية.. الحرس الثوري يعلن ضرب سفن أمريك