الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
عزالدين محمد ابوبكر
2026 / 4 / 29الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
”كنا شديدي الرغبة [نحن الفلاسفة؟] في إنتاج ما يعود إلى الفلسفة، دون أن نتسائل عما كانت عليه إلا في إطار ممارسة أسلوبية، فما كان لنا أن نبلغ هذه النقطة من اللاأسلوبية [ونتحرّر منه] بحيث يمكننا القول أخيراً: ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟“
- دولوز وفليكس غوتاري
إن الفلسفة في جوهرها ليست مجرد تراكم معرفي، بل هي سيرورة دائمة من التساؤل والاندهاش تجاه الوجود ومحاولات الفهم المستمرة للإنسان ومكانه في هذا الكون الفسيح المتغير أبداً، وحين نتأمل تاريخ الفلسفة، نجد أن كل عصر حاول صياغة إجابة خاصة به، تتماشى مع تطور الوعي البشري والتحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي طرأت على المجتمعات الإنسانية المختلفة عبر العصور التاريخية الطويلة جداً.
ولقد انتقلت الفلسفة من محاولات تفسير الطبيعة في العصور اليونانية القديمة، إلى محاولات التوفيق بين العقل والإيمان في العصور الوسطى، ثم إلى نقد العقل والبحث في شروط المعرفة البشرية في العصور الحديثة المليئة بالثورات العلمية والمنهجية الجبارة. واليوم، نجد أنفسنا أمام ضرورة إعادة تعريف الفلسفة في ظل الهيمنة التقنية والعلمية التي تكاد تبتلع الجوانب الروحية والإبداعية والجمالية التي كانت تميز الفكر الإنساني والوجدان البشري الفريد.
عندما يتساءل جيل دولوز وفليكس غتاري "ما هي الفلسفة؟"، فإنهما يطرحان سؤالاً لا يستهدف تعريفاً معجمياً ضيقاً، بل يستهدف الكشف عن آليات "إبداع المفاهيم" التي تشكل جوهر الممارسة الفلسفية الحقيقية والفاعلة في العالم، وإن الفلسفة عندهما ليست تأملاً سلبياً في حقائق جاهزة، بل هي عمل إنشائي، وعملية بناء لمفاهيم جديدة تفتح آفاقاً للتفكير والحياة، وتتجاوز الأنماط التقليدية الجامدة التي سادت طويلاً في تاريخ الفكر الإنساني المتراكم.
والعودة إلى الفلسفة، كما يراها دولوز وغتاري، تعني استعادة القدرة على التفكير النقدي في وقت تسيطر فيه الأيديولوجيات ”المعلبة“ والصور النمطية التي تروجها وسائل الإعلام الحديثة ومنظومات الاستهلاك العالمي الكبرى، وإنها عودة إلى "البراكسيس" الفلسفي، أي الممارسة الفلسفية التي تدمج النظرية بالعمل، وتجعل من التفكير أسلوب حياة، ومقاومة دائمة لكل أشكال القمع الفكري والسياسي والاجتماعي التي تحد من حرية الإنسان وإبداعه الخلاق في الوجود.
هذه العودة ليست تراجعاً للوراء، بل هي قفزة نحو المستقبل، ومحاولة لتجاوز "الأسلوبية" التي حولت الفلسفة إلى مجرد تمرين أكاديمي جاف يفتقر إلى الروح والحيوية والارتباط بالواقع المعيش للإنسان العادي والمثقف على حد سواء، وإن التحرر من الأسلوبية يعني الوصول إلى جوهر الفعل الفلسفي؛ حيث يصبح التساؤل عن "ماذا فعلت طوال حياتي؟" هو السؤال الأكثر إلحاحاً وصدقاً في مسار الفيلسوف الذي أفنى عمره في البحث.
وحين يقول دولوز إن "الساعة قد حانت لنتساءل عما هي الفلسفة"، فإنه يستحضر بوضوح "بومة مينيرفا" الهيجلية التي لا تحلق إلا عند الغسق، مما يوحي بأن الفلسفة تكتمل حين تكتمل التجربة الحياتية والتاريخية للإنسان. لكن دولوز يذهب أبعد من هيجل، فالساعة عنده ليست نهاية المطاف، بل هي لحظة النضج التي تسمح ببدء التفكير الحقيقي، بعيداً عن ضجيج البدايات ومراهقة الأفكار الأولى التي لم تنضج بعد تماماً.
هذا الموقف يتقاطع مع رؤية مدرسة فرانكفورت النقدية، التي ترى في الفلسفة أداة للتحرر من "العقل الأداتي" الذي حول كل شيء إلى سلعة أو وسيلة لتحقيق غايات مادية ضيقة ومحدودة الفائدة والقيمة الإنسانية، وإن الفلسفة النقدية تسعى لكشف آليات الهيمنة الخفية، تماماً كما يسعى دولوز لتفكيك "آلات الرغبة" والبنى الاجتماعية التي تمنع الإنسان من الوصول إلى حقيقته وجوهره الإبداعي الذي يميزه عن سائر الكائنات في هذا الوجود.
وفي السياق الديداكتيكي، تكتسب ملاحظة دولوز أهمية قصوى في بناء درس فلسفي يحترم ذكاء الطالب، ولا يكتفي بحشو عقله بالمعلومات التاريخية الجافة عن الفلاسفة القدامى والمدارس الفكرية التي انتهى زمانها ولم يعد لها أثر، وإن الدرس الفلسفي الناجح هو الذي يعلم الطالب كيف "يمارس" الفلسفة، وكيف يبدع مفاهيمه الخاصة لمواجهة مشكلات واقعه المعاصر، محولاً الفصل الدراسي إلى مختبر حي للأفكار والنقاشات المثمرة التي تنمي التفكير الحر والمستقل.
وإن الإجابة على سؤال "ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟" بروح ابن عربي، تتطلب منا النفاذ إلى باطن الوجود؛ حيث الفلسفة ليست إلا سفراً في الذات وفي الأكوان الشاسعة، ويقول لسان الحال الصوفي: إن ما قمت به لم يكن إلا تتبعاً لآثار الجمال المطلق في صور المعاني، وتقليباً لصفحات القلب التي لا تنتهي عجائبها، فالفيلسوف هو "العارف" الذي لا يرتوي من فيض الحقائق الربانية الكبرى.
لقد كانت حياتي كلها، في ميزان العشق المعرفي، محاولة لفك رموز الغيب في شهادة الحرف، وبحثاً عن الوحدة في كثرة المفاهيم، فما الفلسفة إلا الحيرة المحمودة التي تجعل النفس في تجلٍّ مستمر وشوق دائم، وإن هذا الشيء الذي قمت به هو "الخيال الخلاق" الذي يربط بين المحسوس والمعقول، وبين الفاني والباقي، فالفيلسوف الحق هو من يرى الوجود بعين البصيرة، ويسمع تسبيح الوجود في صمت الكلمات والمعاني.
وإن الفلسفة في هذا الإطار هي "علم الأنفاس"؛ حيث كل فكرة هي نبضة قلب، وكل مفهوم هو تجلٍّ لاسم من أسماء الحقيقة التي تتعدد صورها وتظل جوهراً واحداً لا يدرك كنهه تمام الإدراك، وهكذا نجد أن التساؤل عن ماهية الفلسفة هو تساؤل عن سر الوجود نفسه، وهو سعي لا ينقطع للوصول إلى مراتب الكمال الإنساني من خلال تزاوج العقل والروح في وحدة متناغمة تسمو بالإنسان فوق الماديات الزائلة.
وعندما ننظر إلى تاريخ الفلسفة كفقه للوجود، نجد أن كل مرحلة كانت "تفسيراً" للوحي العقلاني الذي يتنزل على الفلاسفة في خلواتهم الفكرية وتأملاتهم العميقة في شؤون الحياة والموت والخير والشر والعدل والجمال والحقيقة، ففقه الفلسفة يعني فهم مقاصدها البعيدة، وعدم الوقوف عند ظواهر النصوص، بل الغوص في معانيها المستترة التي تشكل البنية التحتية لكل الحضارات البشرية التي عرفها التاريخ الطويل منذ فجر التدوين وحتى عصرنا الراهن.
وإن ممارسة الفلسفة كبراكسيس تتطلب شجاعة أخلاقية كبرى، لأنها تعني مواجهة الحقائق المرة، ونقد الذات والمجتمع قبل نقد الآخرين، وهي بذلك تصبح فعلاً سياسياً بامتياز، يسعى لتغيير العالم لا بمجرد فهمه وتفسيره فقط، وهذه الرؤية هي التي تجعل من قول دولوز وغتاري بياناً ثورياً في الفكر، يدعو الفيلسوف لترك برجه العاجي والنزول إلى ساحات العمل؛ حيث تتشكل المفاهيم في صراع الإرادات والقوى الفاعلة في التاريخ.
بين هيجل ودولوز خيط رفيع من الاتصال والانفصال؛ فبينما كان هيجل يرى التاريخ كمسيرة للعقل نحو وعيه بذاته في الدولة، يرى دولوز التاريخ كحقل من التدفقات والخطوط والتحولات التي لا تخضع لغائية محتومة سلفاً*، وإن الساعة التي حانت عند دولوز هي ساعة "الحدث"، تلك اللحظة التي ينكسر فيها الزمن الخطي ليسمح بظهور شيء جديد تماماً، لم يكن متوقعاً ولم يكن من الممكن التنبؤ به من قبل العقول التقليدية.
وفي الختام (الذي كينونته بادئة)، يظل سؤال "ما هي الفلسفة؟" هو المحرك الذي يدفعنا لمواصلة الطريق، رغم الصعوبات والعقبات التي يضعها عصر "ما بعد الحقيقة" و"الذكاء الاصطناعي" أمام التفكير البشري الأصيل والعميق في جوهره الإنساني الفريد، وإن ما قمنا به طيلة حياتنا، وسنظل نقوم به، هو حراسة شعلة العقل، وضمان بقاء السؤال حياً، لأن في غياب السؤال تموت الروح، وتصبح الحياة مجرد تكرار آلي يفتقر إلى المعنى والغاية والجمال.
الفلسفة هي ذلك الفن الذي يحررنا من بداهة الأشياء، ويجعلنا نرى في المألوف غرابة تستحق التأمل، وفي البسيط تعقيداً يثير الدهشة، وهي بذلك تظل أسمى نشاط إنساني يربطنا بجذورنا العميقة وبتطلعاتنا اللامتناهية نحو المطلق، وإنها الرحلة التي لا تنتهي، والعودة التي لا تتوقف، والبراكسيس الذي يشكل هويتنا ككائنات مفكرة، باحثة، عاشقة للحكمة في كل زمان ومكان، متجاوزة حدود الزمان والمكان في سعيها الدائم والمضني نحو الحق والخير والجمال.
المصدر:
صـ٢٧٢٨، "ما هي الفلسفة؟"؛ جيل دولوز، فليكس غتاري؛ ترجمة ومراجعة وتقديم: مطاع الصفدي، وفريق مركز الإنماء القومي، بيروت.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي
.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي
.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في
.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز
.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل