الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئًا لم يكن
احمد البهائي
2026 / 4 / 29الادارة و الاقتصاد
حين قررت الحكومة إغلاق المحلات عند التاسعة مساء وإطفاء إنارة الشوارع، قُدّم القرار كأنه تدخل عقلاني لترشيد استهلاك الكهرباء، بينما كان في جوهره اختبارًا فجًا لقدرة مجتمع كامل على التكيف القسري. قيل إن العائد لا يتجاوز 7% من الاستهلاك، لكن التكلفة الحقيقية لم تكن في الأرقام، بل في حياة الناس: ساعات عمل اختفت، دخول يومية تبخرت، وملايين وجدوا أنفسهم فجأة خارج دورة الرزق التي اعتادوها منذ عقود. لم يكن الليل رفاهية كما يتخيل صانع القرار الجالس تحت إضاءة مستقرة ومكتب مكيف، بل كان شريانًا اقتصاديًا يغذي قطاعات كاملة، من المقاهي إلى المحلات الصغيرة إلى العمالة الهشة التي لا تعرف معنى الأمان الوظيفي. فجأة، وبضغطة زر، تم اقتطاع هذا الشريان، وكأن الاقتصاد يمكن إعادة برمجته بقرار إداري.
ثم، وبهدوء لا يقل استفزازًا، عادت الحكومة إلى ما كان عليه الوضع، دون تفسير، دون مراجعة، دون حتى اعتراف ضمني بأن ما حدث كان خطأ أو تجربة فاشلة. كأن شيئًا لم يكن، وكأن أولئك الذين فقدوا أعمالهم المؤقتة أو تراكمت عليهم الديون كانوا مجرد تفاصيل هامشية في معادلة لم تُحسب أصلًا. هذا النمط من القرارات—المفاجئة، الصارمة، الصامتة—لا يكشف فقط عن خلل في التقدير الاقتصادي، بل عن مشكلة أعمق في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع. فالدولة التي لا تشرح قراراتها، ولا تصغي لتحذيرات الخبراء، ولا تكترث لتبعات قراراتها على الفئات الأضعف، لا تدير اقتصادًا بقدر ما تدير حالة من الانفصال عن الواقع.
العمل الليلي لم ينشأ صدفة، بل هو نتاج تفاعل طويل بين طبيعة المناخ، وثقافة المجتمع، وبنية السوق. تجاهل هذا التراكم والتعامل معه كعادة يمكن إلغاؤها بقرار، ليس إصلاحًا بل قطيعة مع الواقع. والأسوأ أن هذا “الإصلاح” لم يأتِ ضمن رؤية تدريجية أو خطة واضحة المعالم، بل كإجراء مفاجئ بلا تمهيد، ثم تراجع بلا تفسير، في مشهد أقرب إلى تجربة معملية تُجرى على مجتمع حي. النتيجة لم تكن فقط خسائر اقتصادية مباشرة، بل تآكل في الثقة، ذلك العنصر غير المرئي الذي يقوم عليه أي استقرار حقيقي.
الأزمة هنا ليست في قرار أُخذ ثم أُلغي، بل في غياب المنطق الذي يربط بينهما. لماذا فُرض الإغلاق أساسًا؟ وما الذي تغير حتى تم التراجع؟ هل تحسنت موارد الطاقة فجأة؟ أم أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي كشف هشاشة القرار؟ أم أن المسألة لم تكن تتعلق بالطاقة من البداية؟ أسئلة مشروعة، لكن لا إجابات. والبرلمان، المفترض أن يمثل الناس، يبدو غائبًا أو غير معني، بينما يُطلب من المواطن أن يلتزم الصمت والتنفيذ، دون حق في الفهم أو حتى التساؤل.
هكذا يتحول الاقتصاد إلى مساحة تجريب، والمجتمع إلى حقل اختبار، والقرارات إلى أوامر تُنفذ ثم تُنسى. لكن ما لا يُحسب في هذه المعادلة هو أن الأثر لا يختفي مع التراجع. من فقد دخله لا يستعيده بقرار، ومن تراكمت عليه الديون لا تُمحى بإعلان، ومن اهتزت ثقته لا تعود بسهولة. في النهاية، ليست المشكلة أن القرار كان خاطئًا، بل أن الخطأ مرّ بلا مساءلة، وبلا تفسير، وبلا تعلم. والأسوأ من الخطأ نفسه، هو الإصرار على التعامل معه كأنه لم يحدث أصلًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. النشرة الاقتصادية | انعدام الأمن يقيد العمليات الإنسانية في
.. فقرة اقتصادية | الديزل الروسي يشعل أسواق الطاقة.. إلى أين تت
.. تعمير- كيف نصنف شركات العقارات م/علاء فكري يجيب
.. تعمير- هل نتظيم السوق العقاري سيجذب استثمارات من الخارج؟ وحل
.. تعمير- كيف اتجهت شركات العقارات لعمل فان زون في مشروعاتها..