الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التاريخ يعيش بيننا:.....: (2) فلسفة الأمثال الشعبية؟!

خلف الناصر
(Khalaf Anasser)

2026 / 4 / 29
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


للتاريخ مسارب وطرق سرية كثيرة تتسرب من خلالها احداثه الكبرى إلى الحاضر البشري، عابرة مئات الحقب التاريخية وآلاف الاجيال البشرية وعدد لا يحصى من الأحداث والمتغيرات المفصلية، لتطل على الحاضر الإنساني مصاغة على شكل أسطورة صغيرة أو حكاية كبيرة أو مثل شعبي قصير تتناقله الألسن من جيل إلى جيل يليه، منذ بدأ الخليقة إلى اليوم!
فالتاريخ ليس ماضياً فقط، إنما هو حاضر يعيش بيننا دائماً!.. وهو في حقيقته عبارة عن وعاء عظيم أو رحم كبير، تتكون داخله وتتوالد منه الأمم والشعوب والمجتمعات والحضارات البشرية!
فجميع الأمم والشعوب والمجتمعات التي نعرفها اليوم كانت معدومة بالأمس، لكنها وجدت وتكونت وصنعت خلال التاريخ شيئاً فشيئاً، ونحتت جميع مقومات وجودها الأساسية: من لغة وفكر وتصورات ومفاهيم وقيم وتقاليد ووطن.....الخ إلى أن أصبحت أمماً وشعوباً ومجتمعات كاملة التكوين وعالية النضوج!
وعملية الخلق هذه وتجربتها التاريخية البعيدة لا تذهب مع الريح، إنما تتلخص بعض مفاصلها في اساطير وأقوال وحكايات وأمثال شعبية، تتناقلها الألسن بصيغ وصور وتصورات مختلفة، من جيل إلى جيل آخر يرثها عنه، وكأنها وديعة مقدسة!
****
فمثلاً:
من المعروف أن بين الجاريين العراق وإيران وعبر التاريخ الطويل الممتد بينهما، حدثت منافسات وصراعات وحصارات ومعارك كبيرة طاحنة، وخصوصاً بين البابليين والعيلاميين.. فضرب لها البابليون مثلاً يقول:
(لن يدخل العيلاميون بابل حتى تلد البغال)!!
وهذا المثل يعبر عن مدى ثقة البابليين بأنفسهم وقوتهم وبقدرتهم على قهر أعدائهم، وأن هزيمتهم ـ كما كانوا يعتقدون ـ تكاد أن تكون من المستحيلات!
فهذا المثل البابلي الذي تجاوز عمره اليوم 3500 سنة جاء إلينا عبر التاريخ، وتداولته الألسن العراقية من جيل إلى جيل يليه على مدى كل تلك السنين الطويلة، وكل جيل عراقي يتداوله بصور وصيغ تناسب وضعه في مرحلته التي كان يعيشها، إلى أن وصل إلى أجيالنا الحالية في عصورها الحديثة، فصاغته بعبارة موجزة تقول:
"يرجون البغل يولد" ـ يولد: بمعنى يلد ـ وهو مثل يضرب لكل أمر مستحيل يخالف النواميس الطبيعية!!
****
مثل عراقي آخر يقول: ((بعد خراب البصرة))!
و "خراب البصرة" المعني به دمار البصرة وتخريبها عند قيام ما يسمى بـ "ثورة الزنج" فيها ـ بسبب الظلم الكبير الذي وقع عليهم ـ في العصر العباسي، وتحديداً في العام 270 هـ (869 م - 883 م) واستمرت تلك الثورة لمدة أربعة عشر عاماً، دمرت خلالها البصرة تدميراً كاملاً، وقتل من البصريين مئات الألوف وأخذ بعضاً ممن تبقى من أهلها حياً عبداً للزنوج أنفسهم!
وقد وصلت طلائع تلك الثورة إلى واسط وكادت أن تطيح بالدولة العباسية، عندها استيقظ الخليفة العباسي من نومه وحرك جيوشه لمواجهة الزنج وثورتهم، لحماية عرشه من السقوط، لكن بعد فوات الأوان وضياع كل شيء وخراب البصرة بأكملها!
ولعظم مأساة تلك الأحداث المروعة وفضائها التي تستعصي على الوصف، ورغم مرور ألف ومائتي سنة على قيامها فقد تحولت إلى مثل تاريخي يضرب لكل عمل فات أوانه ومضى سيفه يحصد البلاد ورقاب العباد، وبعد خراب وضياع وخسارة كل شيء! كما أنه مثل يدل على مدى خسة الحكام وتهاونهم وتسببهم بخراب البلاد والعباد، وأنهم لا يتحركون إلا بعد أن تمس الأحداث مصالهم وتهدد عروشهم!!
****
مثل ثالث يردده أشقاؤنا المصريون دائماً.. بقولهم: ((يــتــبــغـــدد))!!
وهو مثل يدل على مدى العظمة التي وصلتها بغداد أبان العصور العباسية، بحيث أصبح الانتساب إليها شرفاً لا يدانيه شرف والتشبه بأهلها كعنوان للسمو والرفعة، وكان يشك بكل شخص يدعي انتسابه لبغداد العظيمة، ويطلقون علية عبارة يتبغدد !
وهو مثل يضرب لكل من لا يظهر حقيقته الشخصية وانتمائه الاجتماعي، وينسب نفسه إلى من هم أعلى الناس جمالاً وكمالاً وغناً وثقافة ـ يعنون بهم أهل بغداد ـ "عاصمة الدنيا وكل مدن العالم ريفها" أنذك، كما كانت توصف في تلك الأيام الخوالي!

وهناك مثل عراقي شبيه بهذا المثل المصري يقوله العراقيون... وهو: (يــتــعــنــقــر)! بمعنى ينسب نفسه إلى مدينة (أنقرة) عاصمة الاتراك ـ لكنهم قلبوا حرف الألف إلى حرف العين لسهولة نطقه عند العراقيين ـ وهو يعطي نفس معاني ودلالات كلمة (يتبغدد) عند المصريين!
وهناك الكثير جداً من الأمثال عند كل شعوب العالم، التي تخلد أحداثاً كبرى ومفصلية في حياة الشعوب وتاريخها، والتي يمكن من خلالها قراءة تاريخ تلك الشعوب وأهم أحداثه في حياتهم الماضية!
فالأمثال تخلد أحداث التاريخ، لكنها لا تصنعه!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحية رئيسا لحماس.. ما انعكاسات ذلك على المفاوضات مع إسرائيل


.. إيران.. دوي انفجارات في مدن عدة وتفعيل الدفاعات الجوية




.. كيف تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عظمى؟


.. العاشرة | سجال حاد: متى دافعت إيران عن العرب؟




.. ساعة حوار | رسالة لبنانية إلى أميركا بشأن الرئيس السوري