الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟

محمد وهاب عبود

2026 / 4 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


ما تزال جروح تسعينيات القرن الماضي في العراق تنزف حتى اليوم والمتمثلة بحصار اقتصادي أمريكي برعاية غربية دام ثلاثة عشر عاماً 1990 - 2003، أودى بحياة أكثر من مليون ونصف المليون طفل عراقي. لقد كان مشروعاً تجويعياً وجريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان لشعب تكالبت عليه سلطة فاشية من الداخل وقوى دولية غاشمة من الخارج. وفي تلك السنوات العجاف يتذكرون العراقيون كلمة "العتيك"، حينما اضطروا إلى بيع كل ما يملكون من أثاث وأجهزة وحاجيات وتحف في أسواق "العتيك"، بينما جاب "الدوارة" الشوارع بحثاً عن شرائها أو مقايضتها.

إبان تلك الحقبة كانت واشنطن تراهن على معادلة تجويع الشعب حتى يثور على النظام، لكن الحسابات خابت، صمد النظام ولم ينهار. غير أن الفاتورة الثقيلة دفعها العراقي البسيط والطفل الذي حرم من الحليب والدواء، دفعتها الأم التي رأت طفلها يذوب أمام عينيها دون قدرة على فعل شيء، ثلاثة عشر عاماً من المعاناة وذاكرة مريرة لا تضاهيها مرارة في حناجر العراقيين.

جان بول سارتر يقول إن الجوع أداة قمع سياسية لأنه يكسر الإنسان قبل أن يكسر جسده. وهذا ما فعلته أمريكا تماماً، فقد سحقت الكرامة الإنسانية تحت أحذية الحصار وحولت البيوت إلى مقابر صامتة، كما تحول العراق إلى سوق كبير للعتيك، ليس فقط للأشياء، بل للكرامة الإنسانية ذاتها.

واليوم تعاود الولايات المتحدة استخدام ذات الأسلوب البشع، فقد أفاد مسؤولون عراقيون وأمريكيون لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بإدارة الرئيس دونالد ترامب علقت شحنات النقد بالدولار الأمريكي إلى العراق، كما جمدت برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، والهدف تصعيد الضغوط على بغداد لتفكيك ما وصفته المليشيات المدعومة من إيران.

في هذا المشهد المعقد يقف العراق في حرج، فتعدد الأذرع الأمنية والعسكرية يقوض سمعة ومكانة البلاد على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، لكن القرار يبقى عراقياً خالصاً، والمطلوب عدم الانصياع للأوامر الأمريكية وعدم الانزلاق في حرب عراقية-عراقية تخدم أجندة خارجية.
إن الملفات الشائكة تحتاج إلى تفاهمات وترتيبات وضمانات ومعالجات دون سفك الدماء ووفق أطر توافقية تراعي حساسية الوضع. فالقيادة السياسية رغم علاتها وتشظياتها مدعوة من منطلق الضرورة التاريخية إلى البحث عن شريك دولي لا يستخدم الخبز كسلاح. بل عليها أن تنسل تدريجياً من السطوة الأمريكية التي تريد عراقاً ضعيفاً وخاضعاً.

في تسعينيات القرن الماضي لم تكن الصين تملك القوة والاقتدار والمكانة الدولية التي تتمتع بها اليوم، فالعراقيون كانوا محاصرين من كل اتجاه. أما الآن ثمة بديل يمكن اللجوء إلى الشريك الصيني كحبل نجاة من قبضة الحرب الاقتصادية الأمريكية، فالصين وروسيا اليوم قوتين عظميين تقدمان نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية.

ومن البيٌن أن الولايات المتحدة تواجه خطر الضمور كحضارة، في المقابل تبرز قوى عظمى جديدة تزاحمها على عرش القيادة العالمية. لذلك ستستمر أمريكا في استخدام أبشع الوسائل للحفاظ على هيمنتها، هي تريد أن تبقى الناهي والآمر في هذا العالم حتى لو كان الثمن أشلاء الأطفال العراقيين.

ثمة مشاريع كبرى اليوم لتحويل العراق والمنطقة بأكملها إلى سوق "عتيك" واسع وممزق، سوق تنهشه الخلافات الداخلية والتجاذبات الخارجية، وكل شيء معروض للبيع، الأمن، السيادة، الكرامة، حياة الأطفال. وهذا هو المصير الذي ينتظر العراق إن لم يتدارك السياسيون الوضع، وربما ذكرى ضحية مليون ونصف طفل ستكون كافية لإيقاظ الضمير.

دكتور محمد وهاب عبود / باحث وأكاديمي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل جند الموساد أحمدي نجاد؟ ماذا تقول نيويورك تايمز؟ وماذا قا


.. حرائق فونتنيبلو قرب باريس تحت السيطرة.. ولكن؟ • فرانس 24




.. ليبيا: خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية؟ • فرانس 24


.. قضية توقيف علي المرابط… المغرب بين انتقادات دولية ورواية رسم




.. من قلب تكساس.. كيف احتفلت الجماهير الإسبانية بالإطاحة بفرنسا