الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 7
بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)
2026 / 4 / 30
مواضيع وابحاث سياسية
الشرق الأوسط كمسرح لإعادة تشكيل النظام العالمي: الجغرافيا حين تفكّر
ليست الجغرافيا (في لحظات الاستقرار) أكثر من مسرحٍ صامتٍ تتحرك فوقه القوى. لكنها، في لحظات التحول، تستيقظ. تتحول من خلفية إلى فاعل، ومن إطار إلى بنية تُعيد توجيه التاريخ. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود الشرق الأوسط مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح، بل يصبح موقعًا تتكثف فيه تناقضات النظام العالمي، ويُعاد عبره رسم خرائط القوة.
إن النظر إلى المنطقة بوصفها "بؤرة صراع" لا يخطئ بقدر ما يُمارس تبسيطاً مخلاً. فهو يصف الظاهر دون أن يلامس العمق. فالشرق الأوسط ليس فقط مكانًا تتصارع فيه القوى، إنه فضاء تُختبر فيه حدود النظام العالمي ذاته، إلى أي مدى يستطيع أن يستمر؟ وكيف يعيد توزيع قوته حين تتآكل قواعده؟ هذه الأسئلة لا تُطرح نظريًا فحسب، بقدر ما تُمارَس عمليًا داخل هذه الجغرافيا.
في تحليل إيمانويل والرشتاين، لا تُفهم المناطق وفق حدودها السياسية، إنما وفق موقعها داخل بنية الاقتصاد العالمي؛ مركزٌ يحتكر القيمة، وأطراف تُعيد إنتاجها بشروط غير متكافئة (Wallerstein, 2004). غير أن الشرق الأوسط يُربك هذا التصنيف. فهو، من حيث البنية الإنتاجية، أقرب إلى الأطراف، لكنه من حيث موقعه في شبكة الطاقة والتجارة والجغرافيا، يقترب من المركز. هذا التناقض ليس تفصيلاً، لكنه يمنحه ثقله التاريخي، كمنطقة طرفية تؤدي وظيفة مركزية.
في هذه المفارقة، يتأسس دور المنطقة في لحظة التحول. فهي لا تتحرك خارج النظام، بل من داخله، كأحد مفاصله الحساسة. وحين يدخل النظام في أزمة بنيوية، تصبح هذه المفاصل نقاط ضغط، تتكثف فيها التوترات، وتتحول إلى ساحات إعادة توزيع القوة. لذلك، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط ليس انعكاسًا للأزمة العالمية فحسب، إنما بالإضافة إلى ذلك أحد أشكال تجلّيها الأكثر وضوحًا.
ضمن هذا السياق، يبرز تحوّل أدوار بعض الدول، تعبيرًا عن إعادة تموضع داخل البنية، وليس بوصفه انحرافًا عن القاعدة كما يبدو ظاهرياً. فالسعودية والإمارات لم تعودا تُعرّفان نفسيهما فقط من خلال دور المورد في الاقتصاد العالمي، بل تسعيان إلى توسيع هامش الفعل، عبر الاستثمار، وتدوير رأس المال، وبناء شبكات تأثير تتجاوز الإقليم. هذا التحول يعبر عن الدخول في مفاوضة مع النظام، ولا يعني القطيعة معه، إنه بمعنى أكثر دقة، محاولة إعادة تعريف الموقع دون مغادرة البنية.
هنا، تتخذ الجغرافيا بعدًا جديدًا. لم تعد الأرض مجرد مصدر للثروة، أصبحت الأرض منصة لإنتاج النفوذ. وقد أشار ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية، في أزماتها، تعيد توزيع مراكز التراكم عبر الفضاء، بحيث تنتقل بعض وظائف المركز إلى مناطق كانت تُعد هامشية (Harvey, 2003). وفي هذه الحركة، لا تُلغى الفوارق، وإنما يُعاد ترتيبها. فالدول التي تملك القدرة على توظيف موقعها الجغرافي والاقتصادي تستطيع أن تتحول من متلقٍ للتأثير إلى صانعٍ له، ولو ضمن حدود مسموح بها داخل النظام.
لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ، إنه يحدث داخل شبكة معقدة من التوازنات، حيث تتداخل الإرادة المحلية مع القيود البنيوية. فمحاولة التقدم داخل النظام لا تلغي شروطه، ولكنها تُعيد صياغتها. ومن هنا، تصبح كل خطوة نحو الاستقلال النسبي محاطة بإعادة تموضع مقابلة من قوى أخرى، إقليمية ودولية، تسعى للحفاظ على توازنٍ يتغير باستمرار.
في قلب هذا المشهد، يقف الكيان الإسرائيلي المحتل بوصفه حالة مختلفة. فهو ليس فقط فاعلًا إقليميًا، إنه يمثل عقدة ترتبط مباشرة ببنية الهيمنة في النظام العالمي. لقد كان دوره، تاريخيًا، جزءًا من ترتيبات أوسع تتجاوز حدود الإقليم، لكنه اليوم يجد نفسه داخل مرحلة انتقالية، حيث لم تعد الهيمنة التي يستند إليها مستقرة كما كانت، ولم تتشكل بعد قواعد بديلة. في هذه المسافة، يتحول دوره من تثبيت النظام إلى المشاركة (بوعي أو بدونه) في إعادة تشكيله.
هذا التحول ينعكس بوضوح في طبيعة التحالفات داخل المنطقة. فما كان يُنظر إليه يومًا كاصطفافات ثابتة، أصبح اليوم أقرب إلى شبكات مرنة، تتشكل وتتفكك وفق توازنات متحركة. وقد بيّن جيوفاني أريغي أن فترات انتقال الهيمنة تتسم بإعادة تشكيل التحالفات، حيث تسعى الدول إلى التكيف مع نظام لم تتضح قواعده بعد (Arrighi, 1994). في هذه الفترات، لا يكون الاستقرار هو القاعدة، وإنما التكيف المستمر مع عدم اليقين.
وهكذا، يتحول الشرق الأوسط إلى فضاءٍ تتجسد فيه هذه السيولة. علاقات كانت تُعد مستحيلة تصبح ممكنة، وأخرى كانت تبدو راسخة تتآكل. ليس لأن الدول فقدت بوصلتها، ولكن لأن البوصلة نفسها (أي النظام العالمي) لم تعد تشير إلى اتجاه واحد. وفي غياب مركز واضح، تصبح كل دولة مطالبة بإعادة تعريف موقعها باستمرار.
في هذا السياق، لا تعود المنطقة مجرد مسرح للصراع، ولكنها تُصبح مختبرًا يُجرّب فيه النظام إمكانياته وحدوده. فكل أزمة، وكل حرب، وكل إعادة ترتيب، ليست فقط نتيجة لتوترات محلية، بقدر ما هي تجربة عملية لاختبار مدى قدرة النظام على الاستمرار. إن التداخل بين الطاقة والجغرافيا والسياسة يجعل من المنطقة نقطة التقاء بين الاقتصاد العالمي والتنافس الجيوسياسي، بحيث لا يمكن فصل ما يحدث فيها عما يحدث في النظام ككل.
إن ما يمنح الشرق الأوسط هذا الدور ليس فقط موارده أو موقعه، بل كونه يقع في نقطة تقاطع بين القديم والجديد. ففيه تتجاور بقايا نظامٍ كان قائمًا على هيمنة واضحة، مع ملامح نظام لم يتشكل بعد. وفي هذا التداخل، تظهر التناقضات في أكثر صورها حدة، لأن كل طرف يحاول تثبيت واقعٍ لم يعد قائمًا، أو استباق واقعٍ لم يولد بعد.
وهكذا، فإن المنطقة لا تعكس فقط أزمة النظام العالمي، إنما بالإضافة إلى ذلك، تسرّع من إيقاعها. إنها المكان الذي يُختصر فيه الزمن، حيث تتسارع التحولات، وتتكثف الصراعات، وتُختبر السيناريوهات التي قد تنتقل لاحقًا إلى فضاءات أخرى. إنها، بهذا المعنى، أحد مراكز التاريخ الفعلية، وليست هامشًا فيه، كما يرى بعض محللي القنوات الفضائية.
وفي النهاية، لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط دون النظر إليه بوصفه جزءًا من عملية أوسع، تتمثل في إعادة تشكيل النظام العالمي. فالمسألة ليست من ينتصر في صراعٍ هنا أو هناك، بقدر ما هي كيف تُعاد صياغة قواعد اللعبة نفسها. وفي هذه العملية، تلعب المنطقة دورًا يتجاوز حدودها، لأنها تمثل نقطة التقاء بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة، أي بين العناصر التي تُشكّل النظام العالمي ذاته. إنها الجغرافيا حين تفكّر، وحين تُعيد كتابة التاريخ.
📚 قائمة المراجع
• Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
• Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
• Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
• Acharya, A. (2014). The End of American World Order. Polity Press.
• Fawcett, L. (Ed.). (2019). International Relations of the Middle East (5th ed.). Oxford University Press.
• Hinnebusch, R. (2003). The International Politics of the Middle East. Manchester University Press.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟
.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي
.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا
.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ
.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني