الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بلغاريا بعد الإنتخابات: هل يفتح صعود رومان راديف مرحلة جديدة؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

1 أيار/مايو 2026

في مقال نشره المؤرخ والكاتب الروسي فاليري بورت بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2026 تحت عنوان «الإنتخابات في بلغاريا: الجنرال راديف عند مفترق الطرق»، تناول التحول السياسي الذي شهدته بلغاريا بعد فوز الائتلاف الذي يقوده رومان راديف في الإنتخابات البرلمانية، وطرح سؤالاً مركزياً: هل تقف البلاد أمام إنعطافة تاريخية، أم أمام حلقة جديدة من أزمات السياسة البلغارية المزمنة؟
المقال كُتب بلغة حادة وذات نزعة تاريخية واضحة، لكنه يسلّط الضوء على قضية حقيقية تتجاوز الإنحيازات السياسية: الإرهاق الشعبي من النخب التقليدية، والتوتر بين الهوية الوطنية البلغارية والإنضباط الأوروبي الأطلسي. ومن هنا تبرز أهمية قراءة الحدث ضمن سياقه الداخلي والإقليمي، لا بإعتباره مجرد فوز إنتخابي عابر.

أولاً: فوز راديف… تصويت إحتجاجي أم مشروع سياسي؟

يشير الكاتب إلى أن ائتلاف «بلغاريا التقدمية» حقق أكثر من 44% من الأصوات، مع أغلبية برلمانية مريحة. وهذه النتيجة، إن صحت بهذا الحجم، لا تعكس فقط شعبية شخصية لراديف، بل تعبّر عن تصويت عقابي ضد الطبقة السياسية القديمة.
خلال السنوات الأخيرة، عانت بلغاريا من: تكرار الانتخابات المبكرة، هشاشة الإئتلافات الحكومية، إتهامات فساد متواصلة، تراجع الثقة بالمؤسسات، بطء النمو الإقتصادي، وإستمرار الهجرة نحو أوروبا الغربية.
ولذلك فإن عبارة الكاتب: «الإنتخابات كانت إختبارًا للإيمان» تحمل دلالة عميقة؛ إذ لم يعد المواطن البلغاري يصوّت من أجل برنامج مثالي، بل بحثاً عن أي إمكانية للإستقرار.
راديف إستفاد من صورته كـ«رجل دولة من خارج الأحزاب التقليدية»، ومن خلفيته العسكرية التي توحي بالحزم والإنضباط، وهي صفات تلقى رواجاً في المجتمعات التي أنهكتها الفوضى السياسية.


ثانياً: من الرئاسة إلى رئاسة الحكومة… إنتقال في مركز القوة

يلفت المقال إلى أن راديف شغل منصب الرئاسة تسع سنوات، وهو منصب رمزي نسبياً مقارنة برئاسة الوزراء. وهذه نقطة جوهرية؛ إذ إن إنتقاله من الرئاسة إلى قيادة الأغلبية البرلمانية يعني إنتقاله من الخطاب إلى التنفيذ.
فالسياسي المعارض يستطيع إنتقاد الفساد، لكن رئيس الحكومة مطالب بـ: إصلاح القضاء، ضبط الإنفاق، مواجهة شبكات المصالح، جذب الإستثمار، التفاوض مع بروكسل،وإدارة ملف الطاقة.
لذلك فإن عبارة الكاتب: «الأهداف رائعة، لكن أي سياسي لا يطلق وعوداً جميلة؟» تعبّر عن جوهر المعضلة البلغارية.

ثالثاً: روسيا والطاقة… البراغماتية قبل الأيديولوجيا

من أهم ما أورده المقال أن راديف أبدى رغبته في التعاون مع روسيا وشراء الطاقة منها. وهذا الملف لا يمكن إختزاله في «موالاة لموسكو» أو «خيانة للغرب»، بل يرتبط بإعتبارات مصلحية واضحة.
فدول أوروبا الشرقية، ومنها بلغاريا، تأثرت بشدة بعد أزمة الطاقة الأوروبية وإرتفاع الأسعار. ومن هنا فإن أي قيادة بلغارية ستسعى إلى: أسعار غاز وكهرباء أقل، أمن طاقوي مستقر، تنويع الموردين، وتقليل كلفة الإنتاج المحلي.
بمعنى آخر، قد يكون خطاب راديف أقرب إلى الواقعية الإقتصادية منه إلى التموضع الجيوسياسي الكامل مع روسيا.


رابعاً: أوكرانيا والإنقسام الأوروبي

المقال يشير أيضاً إلى رغبة راديف في وقف تسليح أوكرانيا. وهذا الموقف، سواء اتُّفق معه أم لا، يعكس إتجاهاً متنامياً في عدة دول أوروبية يدعو إلى تقليل الإنخراط العسكري والتركيز على الأعباء الداخلية.
لقد كشفت الحرب الأوكرانية إنقسامًا داخل أوروبا بين:
1. دول ترى المواجهة مع روسيا أولوية إستراتيجية
2. دول تعتبر أن الكلفة الإقتصادية والإجتماعية أصبحت مرتفعة
3. قوى شعبوية تستثمر في تعب الناخب الأوروبي
وفي هذا السياق، يبدو راديف ممثلاً لتيار ثالث يريد عضوية أوروبية من دون إنصياع كامل للسياسات المركزية.

خامساً: لماذا يقلق بروكسل صعود راديف؟

ينقل الكاتب تساؤلاً أوروبياً عن إحتمال ظهور «متمرّد جديد في أوروبا». وهذا التعبير يكشف حساسية الإتحاد الأوروبي تجاه أي زعيم يرفع شعار السيادة الوطنية.
سبق أن واجه الإتحاد توترات مع حكومات في المجر وسلوفاكيا وغيرها. والمشكلة لا تكمن فقط في روسيا، بل في ملفات أوسع مثل: إستقلال القرار الوطني، الهجرة، السياسة الثقافية، القضاء، العقوبات الخارجية، ومركزية القرار الأوروبي.
لذلك فإن راديف قد لا يكون «موالياً لروسيا» بقدر ما هو أقل حماساً للمركزية الأوروبية.


سادساً: الذاكرة التاريخية كسلاح سياسي

جزء كبير من المقال مخصص لإستحضار تاريخ العلاقات البلغارية الروسية: من الدعم السوفياتي الإقتصادي، إلى دور الإتحاد السوفياتي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى إسقاط النصب السوفياتية في صوفيا.
هذا الإستخدام للتاريخ ليس صدفة؛ فهو يهدف إلى القول إن بلغاريا إزدهار حين كانت قريبة من موسكو، وتراجعت حين إلتحقت بالغرب. لكن الصورة أكثر تعقيداً:
•الحقبة الإشتراكية وفرت إستقراراً إجتماعياً وصناعياً، لكنها إفتقرت إلى التعددية السياسية
•الإندماج الأوروبي جلب حرية حركة وتمويلاً ومؤسسات جديدة، لكنه لم يمنع الفساد ولا الفجوات الإجتماعية.
أي أن الماضي لا يمكن إستعادته، كما أن الحاضر الأوروبي ليس نموذجاً كاملاً.

سابعاً: هل يستطيع راديف تغيير المسار فعلاً؟

المقال نفسه يورد تناقضاً مهماً حين ينقل عن أحد المقربين من راديف قوله إن البلغار يريدون الإستمرار في الناتو والإتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن راديف، حتى لو أراد المناورة، يتحرك ضمن حدود واضحة: عضوية الإتحاد الأوروبي، عضوية حلف شمال الأطلسي، إعتماد إقتصادي على السوق الأوروبية، وحساسيات داخلية من الإنقسام الجيوسياسي.
لذلك فالسيناريو الأكثر ترجيحاً ليس إنقلاباً إستراتيجياً، بل سياسة توازن: علاقات أفضل مع موسكو حيث أمكن، مع البقاء داخل المظلة الأوروبية الأطلسية.


ثامناً: التحدي الحقيقي ليس الخارج بل الداخل

مهما كان موقع بلغاريا بين موسكو وبروكسل، فإن الأزمة الأعمق داخلية: إنخفاض الأجور مقارنة بغرب أوروبا، هجرة الكفاءات والشباب، ضعف الخدمات العامة، الفساد الإداري، وفجوة الثقة بين المواطن والدولة.
إذا لم يحقق راديف نتائج ملموسة في هذه الملفات، فسيتحول فوزه الكبير إلى خيبة جديدة.


خاتمة: بلغاريا عند مفترق حقيقي

نجح فاليري بورت في إلتقاط لحظة سياسية حساسة، حتى وإن صاغها من زاوية روسية واضحة. فصعود رومان راديف ليس مجرد إنتصار شخصي، بل علامة على أن قطاعات واسعة من البلغار تبحث عن سيادة أكثر، وكفاءة أكبر، وتبعية أقل لأي مركز خارجي.
لكن التاريخ يعلمنا أن الفوز الإنتخابي شيء، والحكم الناجح شيء آخر.
فإن إستطاع راديف تحويل الشعارات إلى مؤسسات، فقد يبدأ عهد جديد في بلغاريا. أما إذا غلبت التوازنات والضغوط، فستبقى البلاد، كما وصفها المقال، تراوح مكانها عند مفترق الطرق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صفارات الإنذار تدوي في الكويت والدفاعات الجوية تواجه -هجمات


.. استشهاد 3 فلسطينيين بقصف مدفعي إسرائيلي على حي الزيتون بغزة




.. مضيق هرمز بين الدبلوماسية والتصعيد.. قصة انهيار التفاهمات


.. ماذا حدث في أربيل؟.. القصة الكاملة للهجوم على القنصلية الأمي




.. عون في واشنطن.. هل يحمل مفتاح الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؟