الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخفُّ بالكتابةِ نفسها.

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 5 / 2
قضايا ثقافية


أيُعقَلُ أن يُقذَفَ النقدُ الأدبيُّ في مهاويَ الجحودِ، ويُنسَبُ إلى سِفاحِ القولِ وهَذَيانِ العبارةِ، ويُوصَمُ بأنه مجرَّدُ تابعٍ يَمشِي في رِكابِ الإبداعِ لا يَنعَقُ إلا بصوتِه، ولا يَرتَدِي إلا من أطيافِ ثيابِه؟ إنها لَعجَبٌ أيُّ عَجَب، أن تَغلُوَ يدُ الجفاءِ على هذا الفنِّ الأَشَمِّ، فتَجعلَه غِراسًا لا يُورِقُ، وظِلاًّ لا يُقيلُ، ونَغْمًا لا يُطربُ، مع أنه في حقيقةِ أمرِه سَرْجُ الأدبِ الذي لا يَستوي الفرسُ بدونه، ونُورُه الذي لا يُبصِرُ القارئُ دُرَرَ المعاني إلا به.
أيُساءُ إلى النقدِ هذا الإساءةَ العُظمى، فيُتَّهَمُ بأنه دخيلٌ على حِمَى الإبداعِ، مُقتحِمٌ على الشاعرِ عُزلَتَه، مُفسِدٌ على الروائِيِّ بهاءَ حكايَتِه؟ وهل كان النقدُ إلا فَنَّاً يَصقُلُ المرآةَ لترى الإبداعَ وجهَه، ويُقيمُ في رحابِ النصِّ قِبابًا من الضوءِ لتَنجليَ زواياه الخفيَّة؟ إن الناقدَ الأديبَ ليَسكُنُ في جوفِ النصِّ كما يَسكُنُ الرُّوحُ الجسدَ، لا يَقرَؤه قِراءةَ العابرِ الذي يَمُرُّ على الحروفِ مَرَّ السحابِ، بل يَغوصُ في مائه الغَزيرِ غَوصَ اللُّؤلُؤيِّ الذي لا يَرتاحُ حتى يَستخرِجَ الكُنوزَ من أعماقِ القرار. إنه يَنظُرُ إلى النصِّ بعينين اثنتين: عينِ الذائقةِ التي تَتذوَّقُ الجمالَ كما يتذوَّقُ الظمآنُ الماءَ الفُراتَ، وعينِ البصيرةِ التي تَرَى في البِنيةِ السطحيةِ عالَمًا من الإشاراتِ والإيحاءاتِ لا تَراه العينُ العاديةُ، بل لا تَراه حتى صانعُ النصِّ نفسه في كثيرٍ من الأحيان.
وما النقدُ في أَجلى تجلِّياته وأعلى مراتبه إلا خَلْقٌ من طرازٍ فريد، خَلْقٌ يَتَجَلَّى فيه ذاتُ الناقدِ في أسمى صورِه، حين يُحيلُ النصَّ الأولَ مادةً خامًا لِنصٍّ ثانٍ، لا يقلُّ عنه جمالاً وبهاءً، بل يَزيدُ عليه بَصيرةً وكَشْفًا. إن الناقدَ حين يَشرَحُ بيتًا من الشعرِ، إنما يَبسُطُ في شرحِه عوالمَ من المعاني لم تَكُنْ في حسبانِ الشاعرِ الأول، فيكونُ كالذي يَفُكُّ طَلاسِمَ كنزٍ دَفين، فإذا هو قد أخرَجَ من مَكامِنِه جواهرَ لا تُحصَى، ودررًا لا تُقدَّرُ بثمن. إنه ليُبدِعُ إبداعًا حقيقيًّا حين يَشقُّ في جسدِ النصِّ لسانًا يُنطِقُ ما كان صامتًا، ويُحيي ما كان ميتًا، ويُخرِجُ من خَفايا الدلالاتِ ما كان كامنًا في غَياهِبِ الإشارات.
أوَلَيسَ النقدُ في جوهرِه وفِطرتِه حوارًا وجوديًّا مع الإبداع؟ حوارًا لا يُقيمُ في سَطحِ الألفاظِ، بل يَنزِلُ إلى مَعينِ المعاني الأصيلة، فيَغتسِلُ من مائها ويتوضأُ بنورِها، ثم يَصدُرُ عنها ببيانٍ هو في رونقِه وبهائِه صورةٌ من رونقِ الأصلِ وبهائِه، بل هو الأصلُ بعينه في ثوبٍ جديد. وكما أن النارَ لا تَشتَعِلُ إلا من اصطِكاكِ حجرين، وكما أن النهرَ لا يَفيضُ إلا من نبعٍ أمين، فكذلك الإبداعُ النقديُّ لا يَتَوَلَّدُ إلا من احتكاكِ الناقدِ بالنصِّ احتكاكَ العاشقِ بمعشوقِه، احتكاكًا يولِّدُ من حرارةِ التلقِّي وذكاءِ التحليل ما هو أروعُ من النصِّ الأول في كثيرٍ من الأحيان.
أليس الناقدُ الأصيلُ هو الذي يَقرأُ النصَّ قراءةَ البصيرِ الذي لا يَكتفي بالنظرِ إلى الظواهر، بل يُحدِّقُ في الماهيات؟ يَقرؤه كما يَقرأُ المُنَجِّمُ النجومَ، لا ليُحصيَ عددَها، بل ليَستخرِجَ منها دلالاتِ الأقدارِ وأسرارَ المصائر. يَقرؤه كما يَقرأُ المُفسِّرُ آياتِ الكتابِ المُنَزَّلِ، لا ليَقِفَ عندَ حروفِه، بل ليَغوصَ في بحارِ تأويلِه التي لا ساحلَ لها. فإذا النصُّ وقد انطوى على أسرارِه، بَسَطَها الناقدُ بين يَدَيِ القارئِ بَسْطًا، وإذا المعاني كانت حبيسةَ الألفاظِ، أطْلَقَها الناقدُ من عِقالِها، وإذا الجمالُ كان مَخْفيًّا في ثنايا التراكيبِ، أظهَرَه الناقدُ في أبهى حُلَلِه.
وما النقدُ في حقيقته إلا ذاكرةُ الأدبِ الحيّةُ التي لا تَنسى، وبصيرتُه النافذةُ التي لا تَعمَى، وميزانُه العادِلُ الذي لا يَجور. به تُوزَنُ الأعمالُ فتُعرَفُ الغثُّ من السمين، والزائفُ من الصادق، والسَّقيمُ من السَّلِيم. وبه يُهدى القارئُ في متاهاتِ الإبداعِ إلى ينابيعِ الجمالِ الصافية، ويُجنَّبُ مَهاوي الرداءةِ المُضلَّة. وبه يُحفَزُ المبدعُ إلى مزيدٍ من العطاءِ والإتقان، إذ يَرَى في النقدِ مرآةً صافيةً تَعرِضُ عليه مواطنَ القوةِ والضعفِ في إبداعِه، فيَزْدَادَ من الأولِ اعتزازًا، ويُصلِحَ من الثاني اجتهادًا.
إن مَن يَستَخِفُّ بالنقدِ ويَحسَبُه خارجًا عن ساحةِ الإبداعِ، لَخليقٌ أن يُذكَّرَ بأن النقدَ هو الذي صَنَعَ عصورَ الأدبِ اللامعةَ، وأنه لولاه لَضاعَ جُلُّ ما نَعرِفُه اليومَ من جمالياتِ النصوصِ وأسرارِ بلاغتِها. أليستْ كتبُ النقدِ القديمةِ كـ"البيانِ والتبيينِ" و"الكاملِ" و"الأغاني" و"العمدةِ" و"الصناعتينِ" و"أسرارِ البلاغةِ" و"دلائلِ الإعجازِ" من أروعِ ما أُنتِجَ الفكرُ العربيُّ عبرَ تاريخِه؟ أليستْ هذه الكتبُ في جمالِ أسلوبِها وعمقِ رؤيتِها ودِقَّةِ تحليلِها إبداعًا لا يُمارَى فيه، ونصوصًا خالدةً تَتَهادَى على ألسنةِ الدارسينَ كما يَتَهادَى الشعرُ الجيِّدُ على ألسنةِ العاشقين؟
إن النقدَ إذًا ليس تَبَعًا للإبداعِ ولا خادمًا له فحسب، بل هو شريكٌ في الخَلْقِ وصِنوٌ في البِناءِ. إنه نَظيرُ الإبداعِ لا ظِلُّه، وصاحِبُه لا تابعُه. إنه النصفُ الآخرُ من دائرةِ الأدبِ التي لا تَتِمُّ إلا بهما معًا. فإذا كان الإبداعُ هو البَذْرَ، فالنقدُ هو التُّرْبَةُ التي تُنْبِتُه؛ وإذا كان الإبداعُ هو النارَ، فالنقدُ هو النَّفْخُ الذي يُذْكِيها؛ وإذا كان الإبداعُ هو الرِّيحَ، فالنقدُ هو الشِّراعُ الذي يَحمِلُها إلى موانئِ الخلودِ والانتشار.
فهل يُعقَلُ بعدَ هذا البيانِ أن يُرمى النقدُ بالجفافِ وهو يَنبُعُ من ينابيعِ العاطفةِ المتقدةِ والعقلِ المُنير؟ ويُتَّهَمُ بالقحولةِ وهو يُنْبِتُ في حقولِ الأدبِ أزهارَ المعاني المتفتحةَ، ويَسقِيها من ماءِ الذوقِ السَّلسِ والرؤيةِ العميقةِ ما يَجعلُها تَزْهُو وتَتَرَقرَقُ بالحياة؟ إنه لَخَطَرٌ عظيمٌ أن تَخلو الساحةُ الأدبيةُ من نقدٍ أصيلٍ، لأنه إذ ذاك تَصيرُ القراءةُ عَمياءَ لا تَهتدي، والإبداعُ متروكًا لرياحِ التأويلِ العابرةِ لا ضابطَ له ولا نظام، والأدبُ كله سائبًا في فَضَاءٍ لا حدودَ له، لا ميزانَ يُوزَنُ به، ولا بوصلةَ تُهدي إليه، ولا ناقدَ عاشقٍ مُتيمٍ يُفصِحُ عن أسرارِ افتتانِه به، فيُقرِّبَه إلى قلوبِ القراءِ كما يُقرِّبُ العاشقُ حبيبَه إلى قلوبِ الناسِ بشِعرِه وغزَلِه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟


.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب




.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي


.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا




.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟